
الإمارات واستباق التاريخ
يشرح سعادة الدكتور ناصر حميد النعيمي، الأمين العام لمجلس التوازن للتمكين الدفاعي، كيف تحوّل التعلّم إلى طريق مختصر نحو الاستقلالية الاستراتيجية
«كيف فعلتم ذلك بهذه السرعة؟»
لم يكن هذا سؤالاً عابراً سمعته مرة أو مرتين خلال زيارتي الأخيرة إلى أوروبا، بل كان السؤال الذي تكرر في برلين وباريس وروما ولندن أكثر من أي سؤال آخر. سمعته من وزراء، وقادة صناعات دفاعية، وصنّاع سياسات، ومسؤولين يمثلون دولاً تُعد من بين الأعرق عالمياً في بناء القدرات الصناعية والتكنولوجية والدفاعية.
ولم يكن السؤال يحمل شيئاً من المجاملة الدبلوماسية بقدر ما كان يعكس رغبة حقيقية في فهم تجربة بدت للكثيرين مختلفة عن المألوف. فخلال تلك اللقاءات تنوعت النقاشات بين التصنيع المتقدم، والتقنيات الناشئة، والتعاون الصناعي، ومرونة سلاسل الإمداد، ومستقبل القدرات الدفاعية. لكن ملاحظة واحدة ظلت تتكرر على اختلاف المؤسسات والموضوعات: لقد أصبح التحول الذي شهدته الصناعات الدفاعية الإماراتية حقيقة يصعب تجاهلها.
ولعل ما جعل هذه الملاحظة أكثر أهمية ليس مضمونها، بل مصدرها. فقد جاءت من ممثلي دول أمضت أجيالاً كاملة في بناء قواعدها الصناعية، وصقلت قدراتها عبر الحروب والتحولات الجيوسياسية والثورات التكنولوجية وتراكم الخبرات. ومع ذلك، كان كثير منهم يتساءل بفضول حقيقي: كيف استطاعت دولة لم يتجاوز عمرها بضعة عقود أن تفرض حضورها كشريك صناعي وتكنولوجي ودفاعي موثوق على الساحة العالمية؟
وخلال الزيارة شهدنا افتتاح المقر الأوروبي الجديد لمجموعة «ايدج». وعلى المستوى المباشر، كان الحدث يمثل توسعاً دولياً جديداً لإحدى أبرز المؤسسات الصناعية الدفاعية الإماراتية. أما على المستوى الأعمق، فقد كان يعكس شيئاً أكثر أهمية: الاندماج المتزايد للمنظومة الصناعية الإماراتية في المشهد الدفاعي العالمي. وكانت ردود الفعل معبرة بحد ذاتها. فالمؤسسات التي كانت تنظر إلى «ايدج» قبل سنوات قليلة باعتبارها لاعباً جديداً، أصبحت اليوم تتحدث عن التعاون والتطوير المشترك والشراكات التقنية والإنتاج المشترك. لقد انتقل الحوار من التساؤل حول قدرة الإمارات على المشاركة في صناعة الدفاع العالمية إلى التساؤل حول كيفية المشاركة معها.
واليوم تحتل «ايدج» موقعاً متقدماً بين كبرى الشركات الدفاعية في العالم، وهو إنجاز استثنائي لمؤسسة لم يمض على تأسيسها سوى سنوات معدودة. ومع ذلك، فإن التركيز على «ايدج» وحدها لا يروي القصة كاملة. فالسؤال الحقيقي ليس كيف نجحت شركة بعينها. السؤال الأهم هو: كيف نشأت البيئة التي جعلت مثل هذا النجاح ممكناً أساساً؟ ولكي نفهم خصوصية التجربة الإماراتية، لا بد أولاً من العودة إلى تجارب الآخرين. فالتاريخ يعلمنا أن الاستقلالية الاستراتيجية لا تُبنى عادة بسرعة.
لقد تشكلت القوة الصناعية الأوروبية عبر مسار طويل من التحديات والتحولات والصراعات التي دفعت الدول إلى الابتكار والتصنيع والتكيف وإعادة البناء. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد حولت قوتها الاقتصادية والعلمية إلى تفوق استراتيجي عبر عقود من الاستثمار المستمر في البحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار. وفي آسيا، قدمت كوريا الجنوبية نموذجاً مختلفاً لا يقل أهمية؛ نموذجاً قام على الانضباط المؤسسي والعمل طويل النفس والاستثمار المتواصل في بناء القاعدة الصناعية الوطنية حتى أصبحت اليوم من أبرز الدول المصدرة للصناعات المتقدمة والدفاعية. أما تركيا فقد سلكت طريقاً آخر فرضته اعتبارات الأمن القومي والسعي إلى تعزيز الاعتماد على الذات، فاستثمرت بصورة متراكمة في بناء قدراتها الوطنية وتوسيع هامش استقلال قرارها الاستراتيجي.
اختلفت المسارات، واختلفت الظروف، واختلفت الدوافع، لكن جميع هذه التجارب امتلكت ميزة مشتركة واحدة: الوقت. فالزمن كان عاملاً حاسماً في بناء تلك القدرات؛ إذ أتاح للمؤسسات أن تنضج، وللصناعات أن تتطور، وللخبرات أن تتراكم، وللأخطاء أن تتحول إلى دروس. أما الإمارات فقد واجهت واقعاً مختلفاً، فبوصفها دولة فتية تعمل في واحدة من أكثر مناطق العالم حيوية وحساسية من الناحية الاستراتيجية، لم يكن لديها ترف الانتظار حتى تصنع الظروف ما صنعته لغيرها. كما لم يكن من الحكمة افتراض أن الأمن أو التكنولوجيا أو القدرات المتقدمة ستبقى دائماً متاحة للشراء عند الحاجة. ومن هنا لم يكن السؤال ما إذا كانت الاستقلالية الاستراتيجية مهمة؛ بل كان السؤال: هل يمكن تسريع الطريق إليها؟
ومن المهم التأكيد أن الإمارات لم تبحث يوماً عن طرق مختصرة، فلا توجد طرق مختصرة نحو بناء قاعدة صناعية متينة، أو امتلاك المعرفة التقنية، أو تحقيق النضج المؤسسي. فالقواعد الأساسية للنجاح الوطني لا تتغير. لكن ما يمكن تسريعه هو التعلم. وهنا تكمن إحدى أهم مزايا التجربة الإماراتية. فبدلاً من قضاء عقود طويلة في اكتشاف ما يصلح وما لا يصلح عبر التجربة والخطأ، أتيحت للإمارات فرصة دراسة تجارب من سبقوها والاستفادة من دروسهم.
ولم يكن الهدف استنساخ نموذج بعينه. فالتاريخ لا يُنسخ، والظروف الوطنية لا تتكرر. لكن الإمارات سعت إلى فهم ما الذي يمكن تعلمه من كل تجربة. فمن أوروبا استوعبت أهمية العمق الصناعي. ومن الولايات المتحدة استوعبت قيمة الابتكار واسع النطاق. ومن كوريا الجنوبية تعلمت أهمية الانضباط في التنفيذ طويل الأمد. ومن تركيا أدركت الأهمية الاستراتيجية لبناء القدرات الوطنية الذاتية.

ولم تكن ميزة الإمارات أنها اكتشفت معادلة جديدة للنجاح، بل كانت ميزتها أنها استطاعت أن تتعلم من جميع هذه التجارب في الوقت نفسه. وربما تكون هذه إحدى أعظم مزايا الوصول المتأخر. ليس القدرة على اختصار قوانين النجاح، بل القدرة على اختصار الزمن اللازم لفهمها. فالإمارات لم تغيّر قواعد النجاح، ولم تعيد كتابة قوانين التاريخ، لكنها نجحت في تسريع دورة التعلم. وقد تجلت هذه الفلسفة بوضوح في مختلف مسارات التنمية الوطنية.
وكان أول هذه المسرعات هو القيادة. فعلى امتداد التاريخ، لم تكن المشكلة في غياب الرؤى والطموحات، بل في المسافة الفاصلة بين الرؤية والتنفيذ. ففي كثير من الدول قد تمر سنوات طويلة بين صياغة الأهداف وتحويلها إلى واقع ملموس. أما في الإمارات، فقد تشكل نهج يقوم على تقليص هذه المسافة إلى الحد الأدنى الممكن. فلم يكن التركيز على صياغة الرؤى فحسب، بل على تحويلها إلى مؤسسات وشراكات وبرامج ونتائج قابلة للقياس خلال مدد زمنية قصيرة نسبياً. ولم يكن ذلك نتيجة السرعة وحدها. بل نتيجة وضوح الاتجاه، ومرونة المؤسسات، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
أما المسرّع الثاني فكان التعلم نفسه. فبدلاً من ترك الخبرة تتراكم ببطء عبر الأجيال، تبنت الإمارات ثقافة قائمة على الانفتاح على العالم، والسعي المستمر إلى المعرفة، والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية. فلم تنظر إلى التجارب الدولية باعتبارها نماذج للإعجاب، بل باعتبارها مصادر للتعلم والتطوير. ومن خلال الشراكات الاستراتيجية، وبرامج نقل التكنولوجيا، والمشاريع المشتركة، والاستثمارات في البنية التحتية والقدرات الوطنية، استطاعت الدولة أن تسرّع دورات التعلم التي كانت تستغرق في السابق عقوداً طويلة. ولم يكن الهدف مجرد الحصول على التكنولوجيا، بل بناء القدرة على تطويرها واستدامتها. ولهذا أصبحت كل شراكة أكثر من مجرد صفقة. وأصبحت كل تجربة أكثر من مجرد مشروع، لقد تحولت إلى فرصة للتعلم.
أما المسرّع الثالث فكان بناء المنظومة. فبينما ركزت دول كثيرة على بناء قدرات منفردة، ركزت الإمارات على بناء البيئة التي تنتج القدرات بصورة مستدامة. فقبل ظهور الشركات الوطنية الكبرى، كانت هناك استثمارات متواصلة في البنية التحتية، وبرامج المشاركة الصناعية، ونقل التكنولوجيا، والأطر التنظيمية، وتنمية الكفاءات، والشراكات الاستراتيجية. ولم تكن هذه جهوداً متفرقة، بل مكونات مترابطة ضمن رؤية وطنية متكاملة. وهنا يكمن الفرق الجوهري. فالقدرات يمكن اكتسابها، أما المنظومات فيجب بناؤها، ولهذا فإن المؤسسات الوطنية الرائدة التي نراها اليوم ليست بداية القصة، بل إحدى نتائجها.
ولعل أحد أكثر الجوانب أهمية في التجربة الإماراتية يتمثل في أنها لم تنظر إلى بناء القدرات الدفاعية والصناعية بوصفه هدفاً قائماً بذاته، بل باعتباره جزءاً من مشروع وطني أوسع لبناء المرونة وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية. ففي كثير من دول العالم يُنظر إلى الإنفاق الدفاعي باعتباره تكلفة تفرضها متطلبات الأمن القومي. أما الإمارات فقد تعاملت معه بصورة متزايدة باعتباره استثماراً طويل الأمد في الصناعة والتكنولوجيا والمعرفة ورأس المال البشري.
ومن هذا المنطلق، لم يعد الأمن والتنمية مسارين منفصلين، بل هدفين متكاملين يعزز كل منهما الآخر. فالمصنع الذي ينتج منظومة متقدمة لا يضيف قدرة دفاعية فحسب، بل يبني خبرات وطنية، ويطوّر مهارات هندسية، ويحفز الابتكار، ويخلق قيمة اقتصادية تتجاوز حدود القطاع نفسه. كما أن الشراكة التقنية لا توفر منتجاً أو خدمة فقط، بل تفتح أبواباً للمعرفة وتمنح الكفاءات الوطنية فرصة المشاركة في تطوير المستقبل بدلاً من الاكتفاء باستهلاكه.
ولذلك لم يكن الهدف النهائي امتلاك التكنولوجيا بقدر ما كان امتلاك القدرة على تطويرها. ولم يكن المقصود شراء الحلول، بل بناء القدرة على إنتاجها وتكييفها وتطويرها مع تغير الظروف والاحتياجات. وهنا يتجلى المعنى الأعمق للاستقلالية الاستراتيجية، فهي لا تعني الانعزال عن العالم، ولا تعني الاكتفاء الذاتي المطلق، بل تعني امتلاك هامش أوسع من حرية القرار، وقدرة أكبر على الحركة، ومرونة أعلى في مواجهة المتغيرات. وفي عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتزايد فيه المنافسة التكنولوجية، وتتعرض فيه سلاسل الإمداد لاختبارات متكررة، تزداد قيمة هذا النوع من الاستقلالية عاماً بعد عام.
ولعل ما أثار اهتمام كثير من المراقبين خلال السنوات الماضية لم يكن فقط ما حققته الإمارات من إنجازات، بل الطريقة التي حققتها بها. فبينما كانت دول كثيرة تنتظر أن تفرض الظروف عليها أولوياتها، كانت الإمارات تستثمر في المستقبل قبل أن يصبح ضرورة، وتبني القدرات قبل أن تشتد الحاجة إليها، وتستعد للتحديات قبل أن تظهر ملامحها كاملة. وعندما أستعيد تلك الحوارات التي دارت في العواصم الأوروبية، أجد أن أكثر ما يميز التجربة الإماراتية ليس حجم التقدير الذي تحظى به اليوم، فالتقدير ليس سوى نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل والاستثمار والبناء. أما الإنجاز الحقيقي، فيكمن في القرارات التي اتخذت قبل سنوات طويلة؛ قرارات التعلم قبل الحاجة، والاستثمار قبل الضرورة، والبناء قبل أن تفرض الظروف نفسها.
لقد بنت أوروبا كثيراً من قدراتها عبر تراكم التاريخ. وبنت الولايات المتحدة تفوقها عبر اتساع الحجم وقوة الابتكار. وشيّدت كوريا الجنوبية نهضتها الصناعية عبر الانضباط والاستمرارية. ودفعت الضرورات الاستراتيجية تركيا إلى تسريع بناء قدراتها الوطنية. أما الإمارات فقد اختارت أن تتعلم من الجميع دون أن تستنسخ أحداً، واختارت أن تجعل من التعلّم أداة للتسريع، ومن الشراكة وسيلة لاكتساب المعرفة، ومن استشراف المستقبل منهجاً للعمل.
ولهذا لم تكن قصة الإمارات قصة دولة وجدت طريقاً مختصراً إلى النجاح، بل قصة دولة أدركت أن أعظم ما يمكن تسريعه ليس النجاح ذاته، بل التعلّم المؤدي إليه. فهي لم تختصر قوانين النجاح، بل اختصرت الزمن اللازم لفهمها. ولم تنتظر أن يصنع التاريخ مستقبلها، بل تعلمت من التاريخ، واستعدت للمستقبل، ومضت تبني قدراتها الوطنية بخطى تسبق إيقاعه. وهكذا، بينما انتظرت أمم كثيرة أن يشكّل التاريخ مسارها، اختارت الإمارات أن تستبق التاريخ.



