
المعادن الحيوية:
لماذا أصبحت العناصر الأرضية النادرة تُعيد تشكيل القوة الدفاعية
ليست المسألة مَن يملك الثروة في باطن الأرض، بل مَن يملك القدرة على معالجتها وتكريرها
لم تعد المعادن الحيوية شأناً صناعياً فحسب، بل أصبحت عنصراً من عناصر القوة الاستراتيجية. فالمواد التي تقوم عليها أكثر منظومات الأسلحة تطوراً ــ من العناصر الأرضية النادرة والغاليوم والجرمانيوم والتنغستن والإنديوم إلى طيف متنامٍ من المعادن المتخصصة ــ لم تعد مجرد سلع هامشية، بل غدت من ركائز التفوق العسكري الحديث. ونتيجة لذلك، لم تعد سلاسل الإمداد تُقاس بمعايير الكفاءة اللوجستية وخفض التكاليف والالتزام بالمواعيد وحدها، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي.
في عالم الصناعات الدفاعية، تقف المنصات العسكرية اليوم على تخوم التطور التقني. فهي لم تعد مجرد آليات، بل أشبه بحواسيب فائقة التعقيد مدمجة في منصات قتالية، تعتمد على أجهزة استشعار متقدمة ومنظومات إلكترونية بالغة التعقيد تستلزم مواد ذات خصائص مغناطيسية وحرارية وكهروكيميائية استثنائية. وهذا الاعتماد المتصاعد على التقنية الدقيقة يعني أن منتجاتنا باتت تحتوي على عناصر بعينها لا تضاهيها المعادن التقليدية. على سبيل المثال، أنظمة الرادار المتقدمة المستخدمة في المراقبة البرية والبحرية والجوية تعتمد اعتماداً كبيراً على الغاليوم والإيتريوم. وتوفّر أشباه الموصلات المصنوعة من نيتريد الغاليوم أداءً تعجز تقنيات السيليكون التقليدي عن مجاراته، بما يتيح لأنظمة الرادار أن ترصد لمسافات أبعد، وتتعقب أهدافاً أسرع، وتقاوم التشويش المعادي بكفاءة أعلى. ومن دون الغاليوم، تصبح أعيننا في ساحة المعركة شبه عمياء.
ولا يختلف الأمر في الفضاء. فالأقمار الصناعية المرتبطة بالأمن الوطني تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة لتشغيل منظومات المعالجة والاتصالات على متنها. ولتحقيق كفاءة عالية في توليد الطاقة داخل الفضاء، تعتمد الألواح الشمسية في هذه الأقمار على الجرمانيوم والإنديوم. كما يتطلّب الحفاظ على دقة اصطفاف الأنظمة البصرية تحت الصدمات الحرارية الشديدة استخدام معدن البيريليوم. وأي تعثّر في وصول هذه المواد المتخصصة إلى منشآت التصنيع في موعدها قد يؤخّر البرامج الفضائية تأخيراً كبيراً.
غير أن أكثر ما يثير قلق التنفيذيين في قطاع الدفاع هو الاختلال القائم في سلاسل الإمداد العالمية. فالمسألة لا تتعلق بمن يملك هذه المعادن في باطن الأرض فحسب، بل بمن يملك القدرة على تكريرها ومعالجتها. فرغم أن كثيراً من الدول تملك احتياطيات من المعادن الخام، تستحوذ الصين على نصيب الأسد من قدرات التكرير والمعالجة عالمياً، إذ تملك البنية الصناعية القادرة على تحويل المعادن الخام إلى مواد بمواصفات عسكرية. وعلى سبيل المثال، تسيطر الصين على نحو 95٪ من الإنتاج العالمي للعناصر الأرضية النادرة الثقيلة، ما يجعل بقية العالم معتمداً عليها إلى حد بعيد.
لقد شهدنا بالفعل الطلقات الأولى لهذه الحرب الاقتصادية. فالقيود التصديرية المفروضة على الغاليوم والجرمانيوم والغرافيت — وهي جميعاً مواد أساسية لأشباه الموصلات الدفاعية المتقدمة وتقنيات البطاريات — أحدثت صدمات واسعة في الأسواق وسلاسل الإمداد. وفرض حظر على هذه المواد يشكّل خطراً مباشراً على التصنيع الدفاعي. ومن أراد دليلاً على هشاشة هذه السلاسل وتقلبها، فلينظر إلى صناعة السيارات التجارية، حيث رأى العالم كيف يمكن لنقص المعادن الحيوية أن يوقف خطوط التجميع ويشلّ الإنتاج. حين شدّدت الصين القيود على صادرات العناصر الأرضية النادرة المكرّرة والمغانط الدائمة، سادت حالة من الارتباك داخل كبرى شركات صناعة السيارات. وتوقفت خطوط الإنتاج في عدد من المصانع. واضطرت إحدى أبرز شركات السيارات الأمريكية إلى تعليق إنتاج إحدى سياراتها العائلية الأكثر مبيعاً بعد نفاد المغانط المتخصصة اللازمة للمحركات الكهربائية. وفي الوقت نفسه، واجهت مصانع أوروبية موردة لقطاع السيارات إغلاقات قسرية بعدما عجزت عن تأمين مواد مكرّرة أساسية مثل النيكل والليثيوم.
ويرى التنفيذيون في قطاع الدفاع في أزمة السيارات إنذاراً واضحاً. فإذا كانت الشركات التجارية الكبرى، بكل ثقلها ونفوذها، عاجزةً عن تجاوز هذه الاختناقات، فإن مقاولي الصناعات الدفاعية، بأحجامهم الأصغر وتخصصاتهم الأعلى دقة، أشد عرضةً للخطر. فقد أظهرت توقفات صناعة السيارات أن سلاسل الإمداد القائمة على مبدأ «في الوقت المحدد» تصبح شديدة الهشاشة حين تتحول مجموعة محدودة من المعادن إلى أداة ضغط. وإدراكاً لهذه المخاطر الاستراتيجية، بدأت الحكومات والقطاع الصناعي ينسجان تحالفات جديدة. فدول مثل الإمارات تضخ استثمارات بمليارات الدولارات لتأمين موطئ قدم استراتيجي عند المنابع الأولى لسلاسل الإمداد، وفي المناطق الغنية بالموارد.
وفي فبراير 2026، شكّل توقيع إطار التعاون الإماراتي-الأمريكي لتأمين إمدادات المعادن الحيوية تحولاً مهماً في هذا الاتجاه، إذ يلتزم الطرفان بتمويل مشروعات ذات أولوية تهدف إلى سد فجوات سلاسل الإمداد. وبالنسبة إلى قطاع الدفاع، توفر هذه الشراكات السيادية منافذ بديلة للحصول على المواد العسكرية الخاضعة لضوابط مشددة. بيد أن الجدول الزمني لتشغيل منجم جديد ومنشأة معالجة يمتد بين عشرة أعوام وخمسة عشر عاماً، وهي مدة تتجاوز بكثير متطلبات السيناريوهات القريبة المدى. ولذلك، فعلى أهمية التعاون الدولي، لا غنى عن رفع الطاقة التشغيلية في المنشآت القائمة وتوسيع جهود إعادة التدوير.
وكثيراً ما تكمن أكبر المخاطر فيما لا يظهر للعيان. ولمواجهة مكامن الهشاشة غير المتكافئة، نعيد تشكيل أساليب عملنا بصورة جذرية. فبوصفنا من الجهات الصناعية النهائية المستخدمة للمعادن الحيوية، لا يُعدّ تتبع المصادر الأولية لكل مكوّن مهمة يسيرة. ولذلك أنشأنا وحدة تنظيمية متخصصة وفريق عمل متعدد الوظائف يُعنى باستكشاف حلول سلاسل الإمداد وإمكانات تتبّع المعادن الحيوية. كما يعمل هذا الفريق مع فرقنا التصميمية للحد من الاعتماد على المعادن الحيوية عالية المخاطر في منتجاتنا. ولتعزيز موقعنا، نوسّع استباقياً شراكاتنا المباشرة مع منتجي المعادن الحيوية لضمان إمدادات موثوقة. وبالتوازي مع ذلك، تتعاون صناعة الدفاع مع الحكومة الأمريكية لترسيخ أمن المعادن الحيوية عبر إعادة توطين الإنتاج، وبناء قدرات معالجة متقدمة، وإنشاء مخزونات استراتيجية، وتعزيز سلاسل الإمداد العالمية من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ولم تعد استراتيجيات الشراء التقليدية كافية لضمان السيادة الوطنية. كما أن السباق إلى تأمين المعادن الحيوية تجاوز قدرة صناعة الدفاع أو الحكومات على التعامل معه منفردة. فتجاوز مكامن الهشاشة الاستراتيجية يتطلب تعاوناً فاعلاً ومتجذراً بين الصناعة والمؤسسات الحكومية، كما يجعل الاستثمار في ترسيخ التحالفات الجيوسياسية القادرة على تأمين ممرات إمداد موثوقة ضرورة استراتيجية. وفي ظل التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى، لن تكون الكلمة العليا للدولة التي تملك أكبر الموارد، بل للدولة التي تملك سلاسل الإمداد الأقدر على الصمود والأوثق أمناً.



