عصر أسلحة الطاقة الموجَّهة:حين تصبح الطاقة جزءاً من منظومة الدفاع الجوي

ملفات المستقبل

عصر أسلحة الطاقة الموجَّهة:

حين تصبح الطاقة جزءاً من منظومة الدفاع الجوي

يرى رياض قهوجي، المحلل لدى Breaking Defense، أن الأسلحة الليزرية تثبت فاعليتها بوصفها حلاً منخفض الكلفة وفعّالاً في مواجهة التهديدات الجوية

 إن النزاعات الأخيرة قد أزالت النقاب عن تنامي التهديد الذي تمثله الطائرات المسيّرة. فقد أظهرت الأنظمة الجوية غير المأهولة منخفضة التكلفة، سواء تمثلت في الذخائر الجوّالة، أو الطائرات المسيّرة الانتحارية بعيدة المدى، أو الطائرات المسيّرة بـ«منظور الشخص الأول» (FPV)، قدرة متزايدة على تحدي منظومات الدفاع الجوي المتقدمة، كما برز ذلك بوضوح في روسيا وفي منطقة الشرق الأوسط.

طوّرت إسرائيل منظومة دفاعية متعددة الطبقات للتعامل مع التهديدات المتنامية التي تفرضها صواريخ المدفعية، والصواريخ الباليستية، ومؤخراً الطائرات المسيّرة. وتضم هذه المنظومة عدداً من الأنظمة التي أثبتت فاعليتها، لكنها تأتي بكلفة مرتفعة، وفي مقدمتها منظومة القبة الحديدية، التي طوّرتها شركة «ريثيون» (Raytheon)، التابعة لمجموعة RTX الأمريكية، بالتعاون مع شركة «رافائيل» للأنظمة الدفاعية المتقدمة (Rafael Advanced Defense Systems).

وتكشف تكاليف الاعتراض حجم الفجوة بين هذه المنظومات. فتكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد في منظومة القبة الحديدية تبلغ نحو 40 ألف دولار، في حين كانت تكلفة الاعتراض في منظومة «باتريوت»، التي أخرجتها إسرائيل من الخدمة عام 2024، تصل إلى نحو أربعة ملايين دولار. أما منظومة THAAD، المنتشرة في إسرائيل وعدد من دول الشرق الأوسط، فتبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد فيها نحو 15 مليون دولار.

وفي ظل الارتفاع الكبير في تكاليف الاعتراض، برزت الحاجة إلى حلول دفاعية أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية. وفي هذا السياق، بدأ تشغيل نظام «آيرون بيم» (Iron Beam)، وهو منظومة ليزر عالي الطاقة (HEL) طوّرتها شركة «رافائيل»، وذلك قبل أسابيع قليلة من الضربات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في فبراير. ويُعد «آيرون بيم» (Iron Beam) منظومة دفاعية أرضية طُورت للتعامل مع التهديدات الجوية. وتعتمد المنظومة على نظام استهداف متقدم يتيح لها تحييد الصواريخ والمقذوفات والطائرات المسيّرة بسرعة باستخدام تقنية الليزر، وبكلفة تشغيلية متدنية للغاية، وهي الميزة التي تروج لها شركة رافائيل باعتبارها أحد أبرز عناصر التميز في المنظومة.

ومع ذلك، لم تكن إسرائيل أول من أدخل أسلحة الليزر عالي الطاقة (HEL) إلى الخدمة. فهذه التقنية تشهد جهود تطوير متواصلة منذ عقود في الولايات المتحدة وروسيا والصين، وقد أفضت تلك الجهود إلى ظهور منظومات متنوعة تؤدي أدواراً متعددة. وحتى الآن، اقتصر استخدام هذه التقنية على مهام الدفاع الجوي، سواء لتعمية أجهزة الاستشعار الكهروبصرية المتقدمة أو لتحييد المقذوفات والأهداف الجوية الواردة. وبوصفه أحد أسلحة الطاقة الموجّهة (DEW)، تعتمد فاعلية نظام الليزر على قدرته، التي تُقاس بالكيلوواط، وعلى توافر مصدر الطاقة الكهربائية. فكلما ارتفعت قدرة الليزر، ازدادت قوته التدميرية واتسع مداه. كما تحدد قدرة المنظومة الزمن اللازم لتحييد الهدف، في حين تحدد الطاقة المتاحة عدد الطلقات التي يمكن إطلاقها قبل الحاجة إلى إعادة تزويد المنظومة بالطاقة، أو ما يُعرف بسعة الذخيرة. وقد يتراوح هذا العدد بين بضع مئات من الطلقات وعدد يكاد يكون غير محدود. ونتيجة لذلك، قد لا تتجاوز تكلفة الطلقة الواحدة بضعة دولارات، تُحتسب أساساً وفق تكلفة إنتاج الكهرباء. وبالمقارنة مع الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في منظومات مثل القبة الحديدية وغيرها، يوفر الليزر حلاً دفاعياً يتمتع بجدوى اقتصادية كبيرة.

لا تزال أسلحة الليزر تواجه تحديات تقنية وتشغيلية عدة يعمل القطاع على تجاوزها

وبحسب التقديرات، تمتلك الولايات المتحدة أكبر ترسانة من منظومات أسلحة الليزر في العالم. وتشمل هذه المنظومات أنظمة أرضية، من أبرزها منظومة DE M-SHORAD المثبتة على مركبة «سترايكر» (Stryker)، وهي منظومة ليزر بقدرة 50 كيلوواط طُورت للتصدي للطائرات والأنظمة الجوية غير المأهولة (UAS)، فضلاً عن الصواريخ وقذائف المدفعية والهاون (RAM). كما تضم البحرية الأمريكية أيضاً منظومتين بارزتين لأسلحة الليزر على متن عدد من سفنها، هما منظومة الإعماء البصري (ODIN)، ومنظومة HELIOS لليزر عالي الطاقة. وقد صُممت منظومة (ODIN) لتعطيل أجهزة الاستشعار الكهروبصرية على الطائرات المسيّرة ومنصات الاستطلاع والمراقبة، وتعتمد على ليزر منخفض القدرة في حدود 20 كيلوواط، يتيح لها تعمية أهدافها بصورة شبه فورية. أما منظومة HELIOS، التي طوّرتها شركة «لوكهيد مارتن» الأمريكية، فهي منظومة ليزر من الحالة الصلبة تتراوح قدرتها بين 60 و120 كيلوواط، وتتميز بقدرتها على إحداث نوعين من التأثير: التحييد الناعم والتحييد الصلب. ففي الحالة الأولى، تُستخدم مستويات منخفضة من الطاقة لإرباك أنظمة التوجيه الكهروبصرية أو تعميتها، بما يؤدي إلى فقدان الهدف لمساره. أما في الحالة الثانية، فتُستخدم مستويات أعلى من الطاقة لتعطيل الهدف أو تدميره. أما أحدث منظومات الليزر الأمريكية، فهي منظومة LOCUST المصممة للتعامل مع أسراب الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة. وتمتاز هذه المنظومة بسهولة تركيبها ونقلها، وهي سلاح طاقة موجّهة (DEW) بقدرة 20 كيلوواط، قادر على التعامل مع عدة طائرات مسيّرة في وقت واحد ضمن مدى يصل إلى خمسة كيلومترات. وتشير التقارير إلى أن تكلفة الطلقة الواحدة لا تتجاوز خمسة دولارات.

أما روسيا، فقد أدخلت منظومة «بيريسفيت» (Peresvet) لأسلحة الطاقة الموجّهة إلى الخدمة عام 2019، وتُستخدم أساساً في مهام مكافحة الأقمار الصناعية. ويحمل النظام على شاحنات متحركة، ويُعتقد أنه قادر على تعمية الأقمار الصناعية العاملة في المدارات المنخفضة، فضلاً عن تعطيل أجهزة الاستشعار البصرية المستخدمة في منصات الاستطلاع والمراقبة. ويُرجّح أن تبلغ قدرة النظام مئات الكيلوواطات، كما يُنشر بالقرب من مواقع الصواريخ الباليستية العابرة للقارات لحماية القدرات الاستراتيجية الروسية من الرصد أو الاستهداف. ويتميّز «بيريسفيت» بكونه، وفق المعطيات المتاحة، المنظومة الوحيدة العاملة حالياً في العالم ضمن فئة أسلحة الطاقة الموجّهة المخصصة لمهام مكافحة الأقمار الصناعية.

أما منظومة «الصياد الصامت» (Silent Hunter) الصينية، فهي منظومة ليزر أرضية مثبتة على شاحنة، تتراوح قدرتها بين 30 و100 كيلوواط، وقادرة على تحييد الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، فضلاً عن تعطيل المركبات الخفيفة، ضمن مدى يصل إلى أربعة كيلومترات.

ومع ذلك، لا تزال أسلحة الليزر تواجه تحديات تقنية وتشغيلية عدة يعمل القطاع على تجاوزها، وفي مقدمتها الحجم والوزن. كما أن اعتماد هذه المنظومات على عدد كبير من الأنظمة المترابطة اللازمة للرصد والتتبع والاستهداف يجعلها أكثر عرضة للهجمات السيبرانية وتهديدات الحرب الإلكترونية. وإلى جانب ذلك، تبقى الظروف الجوية، ولا سيما الأمطار والغبار، من العوامل التي تحد من فاعلية هذه الأسلحة.

وبعد نجاح دمج أسلحة الليزر عالي الطاقة (HEL) في المنصات البرية والبحرية، تتجه الأنظار اليوم إلى الخطوة التالية، وهي نقل هذه التقنية إلى الطائرات المقاتلة التكتيكية، بما يتيح استخدامها ضد الطائرات المعادية والطائرات المسيّرة والصواريخ. وفي هذا السياق، تعمل الولايات المتحدة على مشروع «شيلد» (SHIELD) لتطوير هذا النوع من الأسلحة. كما يُعتقد أن شركة «لوكهيد مارتن» (Lockheed Martin) تطور منظومة ليزر متعددة المهام مخصصة للطائرات المقاتلة من الجيل السادس، في حين أعلنت شركة «إلبت سيستمز» (Elbit Systems) الإسرائيلية مؤخراً خططاً لتطوير أسلحة ليزر للطائرات النفاثة والمروحيات.

وكانت شركة «بوينغ» الأمريكية أول من اختبر سلاح ليزر كيميائياً يُطلق من طائرة، وهو نوع من الليزر يولّد حزمته عالية الطاقة من خلال تفاعل كيميائي، بدلاً من الاعتماد المباشر على مصدر كهربائي. غير أن هذه التجارب اصطدمت بتحديات كبيرة، في مقدمتها الاضطرابات الجوية وتأثير الظروف المناخية المختلفة. ومع تسارع التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، تزداد التوقعات بإمكان التوصل إلى حلول تساعد على تجاوز العقبات التي لا تزال تعوق تشغيل منظومات الليزر على المنصات الجوية.

عرفت أدوات الحرب تحولات متواصلة عبر التاريخ، من الأقواس والسهام والسيوف، إلى البنادق والمدافع. وما من تقنية عسكرية غيّرت موازين القوة إلا وجدت، في نهاية المطاف، طريقها إلى ميادين القتال البرية والبحرية والجوية. ومن غير المرجح أن تشكل أسلحة الليزر عالي الطاقة استثناءً من هذه القاعدة، متى ما جرى تجاوز التحديات المرتبطة بالحجم والوزن وتأثيرات الطقس. ومع مرور الوقت، ستشق هذه المنظومات طريقها إلى الطائرات الحربية، وربما لا يطول الزمن قبل أن نشهد مدافع ليزر على متن الدبابات، أو أسلحة ليزر فردية يحملها الجنود. وكما غيّرت البارود والصواريخ ملامح الحروب في مراحل سابقة، قد تمثل أسلحة الليزر عالي الطاقة الفصل التالي في تطور الحرب الحديثة. 

شارك