ما بعد المنظومات

داخل‭ ‬المنظومة

ما بعد المنظومات

كيف تعيد الشراكة بين RTX ودولة الإمارات رسم ملامح التعاون الدفاعي في عصر الموارد الاستراتيجية

لم تعد الشراكات الدفاعية تُقاس بما تشتريه الدول من منظومات، بل بما تستطيع أن تبنيه معاً من قدرة. فلسنوات طويلة، كان نجاح التعاون العسكري يُختزل في عدد الطائرات التي جرى تسليمها، أو منظومات الدفاع الجوي التي دخلت الخدمة، أو قيمة العقود التي وُقّعت بين الحكومات والشركات. وكانت القوة العسكرية تُقاس بما تمتلكه الدولة من معدات، وبما تستطيع نشره في الميدان.

غير أن العالم بدأ يغيّر معاييره بهدوء. فالقوة اليوم لم تعد تبدأ عند المنصة العسكرية، بل قبلها بكثير؛ عند سلاسل الإمداد، والمواد الحيوية، والقدرة الصناعية، والكفاءات البشرية، والسياسات التي تضمن استمرار كل ذلك في أوقات الأزمات. لقد اتسعت ساحة المنافسة. فلم تعد تقتصر على ميادين القتال، بل امتدت إلى المناجم، وأشباه الموصلات، والمصانع، ومراكز الأبحاث، وسياسات التصنيع، وحتى شبكات النقل والإمداد.

ولسنوات طويلة، كافأت العولمة الكفاءة وخفض التكاليف، حتى بدا وكأن الاقتصاد وحده هو من يرسم خريطة العالم. لكن الجغرافيا السياسية أعادت تذكير الجميع بحقيقة مختلفة؛ فالكفاءة التي لا تسندها المرونة قد تتحول، في لحظة، إلى شكل من أشكال الاعتماد. ومن هنا، لم يعد السؤال الذي يشغل الدول: من يملك أفضل المنظومات؟، بل: من يمتلك القدرة على إنتاجها، وصيانتها، وتأمين مكوناتها، وضمان استمرارها حين تتعطل سلاسل الإمداد أو تتغير موازين السياسة؟

وفي هذا السياق، تبدو الشراكة الممتدة بين شركة RTX ودولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من مجرد قصة نجاح لشركة عالمية في سوق إقليمي، أو علاقة تقليدية بين مورد وعميل. إنها تعكس تحولاً أعمق يشهده قطاع الصناعات الدفاعية العالمي؛ تحولاً ينتقل فيه التعاون من بيع المنظومات إلى بناء المنظومات الصناعية، ومن نقل التقنية إلى بناء القدرة، ومن التعاقدات قصيرة الأجل إلى شراكات تتشارك المخاطر والفرص، وتستثمر في المستقبل معاً. ولهذا، فإن قراءة هذه الشراكة لا ينبغي أن تقتصر على ما تحقق فيها، بل على ما تكشفه من اتجاهات قد تعيد تشكيل مفهوم التعاون الدفاعي خلال العقود القادمة.

أربعة عقود صنعت الثقة

لا تُبنى الشراكات الكبرى بتوقيع عقد، ولا تنشأ من صفقة واحدة مهما بلغت قيمتها. إنها تُبنى ببطء؛ عبر سنوات من الالتزام، والنجاح المتكرر، والمصالح المشتركة، والثقة التي تثبتها التجارب أكثر مما تصنعها الكلمات.وهكذا يمكن قراءة العلاقة التي جمعت RTX بدولة الإمارات على مدى ما يقارب أربعة عقود. فالشركة، التي تتخذ من مدينة أرلينغتون بولاية فرجينيا الأمريكية مقراً لها، تُعد اليوم ثاني أكبر شركة دفاعية في العالم، وتضم تحت مظلتها شركات Raytheon وPratt & Whitney وCollins Aerospace، لتقدم منظومة متكاملة من الحلول الدفاعية والجوية والفضائية لعملائها حول العالم.

لكن أهمية RTX بالنسبة للإمارات لم تكن يوماً مرتبطة بحجمها العالمي فحسب، بل بالدور الذي اضطلعت به في تطوير بعض أهم القدرات الدفاعية للدولة. فقد أسهمت الشركة في دعم منظومة الدفاع الجوي والصاروخي من خلال أنظمة Patriot ورادارات AN/TPY-2 وصواريخ AMRAAM، وهي قدرات شكلت إحدى الركائز الأساسية لمنظومة الدفاع الوطني. غير أن هذه الصورة، على أهميتها، لا تروي سوى جزء من القصة. ففي عام 2017، دشنت الشركة ذراعها المحلية Raytheon Emirates في أبوظبي، لتمنح شراكة امتدت لسنوات طويلة إطاراً مؤسسياً أكثر عمقاً. ومنذ ذلك الحين، لم يعد التعاون يقتصر على تزويد الدولة بالأنظمة الدفاعية، بل أخذ يتجه تدريجياً نحو بناء حضور صناعي محلي، وتعزيز التكامل بين الطرفين في مجالات الإنتاج والتطوير ونقل المعرفة. وهكذا، تطورت العلاقة من نموذج يقوم على التوريد إلى شراكة تقوم على بناء القدرات. ومن علاقة تعاقدية إلى علاقة استراتيجية. وفي عالم تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية، لم تعد الثقة نتيجةً للشراكة فحسب، بل أصبحت أحد أهم أصولها الاستراتيجية.

من شراء المنظومات إلى بناء القدرة الصناعية

تبلغ الشراكات الاستراتيجية ذروة نضجها حين لا يعود السؤال: ماذا اشترينا؟، بل: ماذا أصبحنا قادرين على أن نبنيه؟ وهنا تحديداً تتجلى المرحلة الجديدة في العلاقة بين RTX ودولة الإمارات. فالحضور الذي تبنيه الشركة داخل الدولة لم يعد يُقاس بعدد العقود المبرمة، وإنما بما يتركه من أثر دائم في البنية الصناعية الوطنية.

واليوم، تدير RTX خمس منشآت تصنيع داخل الدولة، وتتعاون مع أكثر من مئة مورد محلي، في نموذج يعكس انتقال العلاقة من توريد المنتجات إلى بناء منظومة صناعية متكاملة تقوم على نقل المعرفة، والتصنيع المتقدم، وتطوير الكفاءات الوطنية. ويبرز هذا التحول بوضوح في برنامج Coyote لاعتراض الطائرات المسيّرة، والذي أصبح يُنتج داخل دولة الإمارات. ففي عام 2025 افتتحت Raytheon منشأة متخصصة في مجمع توازن الصناعي مخصصة للتجميع النهائي والدمج والاختبارات الدقيقة للمنظومة، فيما تشارك شركات وطنية، وفي مقدمتها EPI التابعة لمجموعة EDGE، في تصنيع مكونات رئيسية منها.

ولا تمثل هذه الخطوة مجرد نقل لخط إنتاج، بل تعكس نشوء منظومة صناعية تتوزع فيها الأدوار بين الشركات الوطنية والعالمية، وتتراكم فيها الخبرات عاماً بعد آخر. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في تصنيع منتج واحد، وإنما في بناء بيئة صناعية قادرة على استيعاب برامج أكثر تعقيداً في المستقبل. ولا يتوقف هذا النهج عند التصنيع. فبالتوازي مع تطوير القدرات العسكرية متعددة المجالات، تستثمر RTX في برامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وفي إعداد الكفاءات البشرية، انطلاقاً من إدراك بسيط وعميق في آن واحد: فالتقنية يمكن شراؤها، أما العقول التي تطورها فلا تُشترى.

ويمتد هذا النهج إلى بقية شركات المجموعة. فقد أعلنت Pratt & Whitney عن شراكتها مع مجموعة «سند» لإنشاء أول مركز إقليمي لصيانة وإصلاح وتجديد محركات GTF يخدم جنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حين أقامت Collins Aerospace شراكة مع الاتحاد للهندسة لإنشاء مركز تميز إقليمي لصيانة مكونات الطائرات. وقد تبدو هذه المبادرات، عند النظر إليها منفردة، مشاريع صناعية مستقلة. غير أن الصورة الكاملة تكشف شيئاً مختلفاً. إنها حلقات في مشروع واحد، يهدف إلى بناء البنية الصناعية التي لا تكتفي باستيعاب المنظومات الدفاعية، بل تمتلك القدرة على صيانتها، وتطويرها، وتحسينها، والإسهام مستقبلاً في إنتاجها. وهنا يكمن الفارق الجوهري. فالهدف لم يعد امتلاك التكنولوجيا فقط، بل امتلاك البيئة التي تجعل التكنولوجيا قابلة للاستمرار.

يتم تجميع نظام Coyote الاعتراضي المضاد للطائرات غير المأهولة، الذي تطوره Raytheon، في دولة الإمارات.
يتم تجميع نظام Coyote الاعتراضي المضاد للطائرات غير المأهولة، الذي تطوره Raytheon، في دولة الإمارات.

الغاليوم… نافذة على المستقبل

إذا كانت المرحلة الأولى من الشراكة قد انطلقت من بناء القدرات، فإن المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى بناء المرونة. ولعل مذكرة التفاهم التي وُقعت عام 2025 بين RTX ومجلس التوازن للتمكين الدفاعي وشركة الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA) تمثل أوضح تعبير عن هذا التحول. فموضوعها ليس منظومة دفاعية جديدة، ولا برنامج تسليح إضافياً. بل معدن الغاليوم. وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر غريباً. كيف يمكن لمعدن لا يعرفه كثيرون أن يحتل هذه المكانة في صناعة الدفاع الحديثة؟

لكن الحقيقة أن الغاليوم لم يعد مجرد مادة أولية، بل أصبح أحد المكونات الأساسية التي تقوم عليها منظومات الدفاع الأكثر تطوراً في العالم. فعند استخدامه في مركبات مثل نتريد الغاليوم (GaN) وزرنيخيد الغاليوم (GaAs)، يمنح الرادارات وأنظمة الحرب الإلكترونية والصواريخ والإلكترونيات الفضائية كفاءة أعلى، وقدرة أكبر على تحمل الظروف التشغيلية القاسية، وأداءً يتجاوز ما توفره المواد التقليدية. ومع تعاظم الاعتماد على هذه التقنيات، لم يعد الغاليوم سلعة صناعية عادية. بل أصبح مورداً استراتيجياً. ولعل التاريخ يقدم درساً متكرراً في هذا المجال.

فكما ارتبطت مراحل مختلفة من القوة العالمية بإتقان الحديد، ثم النفط، ثم السيليكون، فقد يرتبط الفصل القادم من المنافسة الاستراتيجية بالقدرة على تأمين المواد التي تقوم عليها الصناعات المتقدمة.ومن هنا تكتسب المبادرة الإماراتية أهميتها. فهي لا تستهدف استخراج الغاليوم من الصفر، وإنما تبحث إمكانية إنتاجه تجارياً بالاعتماد على البنية الصناعية المتطورة التي تمتلكها الإمارات العالمية للألمنيوم، والتي تتيح استخلاصه بوصفه منتجاً جانبياً لعمليات تكرير الألمنيوم. ولو نجحت هذه الجهود، فلن تضيف الإمارات منتجاً جديداً إلى اقتصادها فحسب، بل قد تصبح أحد المصادر العالمية لمادة تدخل في صميم الصناعات الدفاعية المتقدمة.

ويكتسب ذلك أهمية أكبر إذا ما وضعناه في سياقه الدولي. فبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، يتركز معظم الإنتاج العالمي للغاليوم اليوم في الصين، وهو ما جعل مادة كانت تُنظر إليها سابقاً بوصفها مدخلاً صناعياً تتحول إلى قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم اهتمام RTX بهذه المبادرة على أنه مجرد بحث عن مصدر جديد لمادة خام. فالشركة لا تستثمر في الغاليوم وحده. إنها تستثمر في بيئة قادرة على إنتاجه. تستثمر في دولة تتمتع بالاستقرار السياسي، والطموح الصناعي، والبنية التحتية المتقدمة، والطاقة الوفيرة، والقدرة الاستثمارية، والثقة المؤسسية. وهذه كلها عناصر لا يمكن استخراجها من باطن الأرض. إنها تُبنى… عبر عقود.

ولا تزال مذكرة التفاهم، حتى الآن، في مرحلة دراسة الجدوى، ولم يتحول المشروع بعد إلى إنتاج تجاري واسع النطاق. إلا أن أهمية المبادرة لا تكمن في حجم الإنتاج المتوقع، بل في الاتجاه الذي تشير إليه. فسواء بدأ إنتاج الغاليوم بعد عامين أو خمسة أعوام، فإن الرسالة أصبحت واضحة: إن مستقبل الشراكات الدفاعية لن يُبنى على تبادل المنظومات وحدها، بل على بناء القدرات الصناعية التي تجعل هذه المنظومات ممكنة منذ الأساس.

نظرة إلى الأمام

تكشف الشراكة بين RTX ودولة الإمارات عن تحول يتجاوز حدود العلاقة بين شركة ودولة، ليعكس اتجاهاً جديداً يعيد رسم ملامح الصناعات الدفاعية على مستوى العالم. فالحكومات لم تعد تبحث عن موردين فحسب، بل عن شركاء قادرين على بناء منظومات صناعية موثوقة، وتعزيز الابتكار، وتأمين الموارد الاستراتيجية، ودعم القدرة الوطنية على الصمود في مواجهة المتغيرات. وبالنسبة إلى دولة الإمارات، فإن هذه الشراكة تمثل مرحلة جديدة في مسيرة بدأت منذ عقود. فخطوط إنتاج Coyote، ومركز صيانة محركات GTF، والتوسع في التصنيع المحلي، ومبادرة الغاليوم، ليست مشاريع منفصلة، بل أجزاء من رؤية واحدة، تسعى إلى ترسيخ مكانة الدولة شريكاً فاعلاً في الاقتصاد الدفاعي العالمي، لا مجرد سوق له.

أما بالنسبة إلى الصناعة الدفاعية الدولية، فإن الرسالة تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالنجاح في العقود القادمة لن يكون من نصيب الشركات التي تبيع أكبر عدد من المنظومات، بل تلك التي تنجح في بناء قدرات مستدامة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، ومواءمة مصالحها مع الطموحات الصناعية لشركائها. ولعل هذا هو الدرس الأهم. فمستقبل الدفاع لن تحدده التقنيات وحدها، مهما بلغت درجة تطورها. بل ستحدده أيضاً المنظومات الصناعية التي تقف خلف تلك التقنيات، والقدرة على الحفاظ عليها، وتطويرها، وتأمين مكوناتها حين تتعرض الضغوط.

لقد اعتدنا، لعقود طويلة، أن نقيس الشراكات الدفاعية بعدد المنظومات التي تُسلَّم، أو بحجم العقود التي تُوقَّع. أما المستقبل، فيبدو أقل اهتماماً بما نتبادله من معدات، وأكثر اهتماماً بما نبنيه معاً من قدرة. ففي عالم تتنافس فيه الدول على سلاسل الإمداد بقدر تنافسها على التقنيات، قد لا تكون أقوى التحالفات هي تلك التي تتبادل أكبر قدر من السلاح، بل تلك التي تنجح في بناء أعظم قدر من القدرة معاً.