
حتمية المرونة
لماذا أصبح التفوق العملياتي مرهوناً بسرعة تحويل الأفكار إلى قدرات قابلة للاستخدام
ظل الدفاع في جوهره، قائماً على تفاعل مستمر بين المبادرة والمبادرة المضادة. غير أن ما يبدو مختلفاً اليوم هو السرعة غير المسبوقة التي باتت تجري بها هذه الدورة. ففي الحروب الحديثة، لم يعد التفوق حالة مستقرة يمكن الركون إليها طويلاً. فما يمنح قوةً ما ميزةً في لحظة معينة قد يصبح، بعد أسابيع، وربما أيام، موضع دراسة أو تشويش أو محاكاة أو تجاوز، فتتراجع فاعليته أو تتغير معادلته. فالمسيّرات تُعدَّل، وأجهزة الاستشعار تتعرض للتضليل، وروابط الاتصالات تواجه التشويش، والبرمجيات تُحدَّث في الميدان. وهكذا أصبحت ساحة المعركة تستوعب كل ابتكار، وتتعلّم منه، وتفرض الحاجة إلى الابتكار التالي.
ولعل ما تكشفه هذه التحولات أن التفوق العملياتي لم يعد يُقاس بامتلاك القدرات وحده، بل بالقدرة على تطويرها، وتكييفها، وتجديدها بالسرعة التي تفرضها بيئة تنافس لا تعرف الثبات. فالقوة في عالم سريع التحول لا تُختبر بما تملكه الجيوش في لحظة معينة، بقدر ما تُختبر بقدرتها على التعلم المستمر، وإعادة تشكيل مزاياها، قبل أن تتحول مزايا الأمس إلى معطيات مألوفة لدى الآخرين. وليس هذا الحديث نظرياً، بل إن ملامحه باتت واضحة في أوكرانيا، وفي النزاعات الأخيرة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط. فالقوة العسكرية لا تزال تُقاس بالطائرات، والمنصات البحرية، ومنظومات الدفاع الجوي، والمركبات المدرعة، والصواريخ، وشبكات القيادة والسيطرة، وبالقاعدة الصناعية القادرة على دعم هذه المنظومات وضمان استدامتها. وليس ثمة ما يشير إلى تراجع أهمية هذه الركائز أو انحسار دورها.
غير أن المسرح الدفاعي يشهد، في الوقت نفسه، مساراً موازياً يتسم بوتيرة أسرع بكثير؛ مساراً تقوده المسيّرات، والحرب الإلكترونية، والأنظمة الذاتية، والذكاء الاصطناعي، والقدرات السيبرانية، والروبوتات، ودمج البيانات، والتطوير البرمجي المتسارع. وهكذا لم تعد معادلة التفوق تقوم على المفاضلة بين القدرات التقليدية والتقنيات الناشئة، بل على القدرة على المواءمة بينهما، وإدارة التفاعل المستمر بين دورات التطوير الطويلة، وموجات الابتكار السريعة. ومن هنا، فإن الدول الأكثر نجاحاً لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكثر التقنيات تطوراً أو إثارة للإعجاب، لأن الابتكار في حد ذاته لا يمثل سوى نقطة البداية. أما التحدي الحقيقي، فيكمن في قدرة المنظومة الدفاعية على تحويل المشكلات إلى حلول عملية، ونقل هذه الحلول من مرحلة الفكرة إلى النموذج الأولي، ومن الاختبار إلى التعاقد، ومن التعاقد إلى قدرات قابلة للاستخدام الميداني، قبل أن تفرض البيئة التشغيلية تحديات جديدة.
وهنا تتجلى حتمية المرونة في الدفاع الحديث؛ فهذه القدرة المتسارعة على تطوير الحلول العملياتية وتبنّيها تمثل جوهر التفوق في بيئة تتغير معطياتها باستمرار. فالمرونة لا تعني الارتجال، ولا تُختزل في تسريع المشتريات، كما أنها ليست مبرراً للتخفف من الضوابط أو التساهل في المعايير. ففي عالم الدفاع، تمثل المرونة قدرة مؤسسية منضبطة تقوم على وضوح الأولويات، وتمكين المؤسسات، ومرونة التمويل، وقرب التواصل مع المستخدمين، وموثوقية بيئات الاختبار، وفاعلية منظومات التعاقد، وصلابة القاعدة الصناعية. وهي تتطلب، قبل كل شيء، ثقافة تدرك أن التعلم جزء من التطور، وتتقبل أن بعض الأفكار قد لا تنجح، وأن بعض الإخفاقات ليست نقيض النجاح، بل إحدى وسائله.
القدرة السيادية تقوم على ركيزتين متلازمتين: العمق والسرعة

وفي جوهرها، تعني المرونة تضييق المسافة بين من يواجهون التحديات في الميدان ومن يمتلكون القدرة على تطوير الحلول. ولذلك يصبح من الضروري أن يعمل العسكريون، والمهندسون، والباحثون، ورواد الأعمال، ومسؤولو المشتريات، والشركاء الصناعيون، ضمن منظومة أكثر ترابطاً واستجابة. وقد يبدو ذلك أمراً بديهياً، لكنه ليس يسيراً في التطبيق؛ فالمنظومات الدفاعية الكبرى صُممت، في الأصل، لضمان الأمن والسيطرة والمساءلة، وهي متطلبات لا غنى عنها. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الضوابط، بل في ألا تتحول، مع مرور الوقت، إلى طبقات من التعقيد تحدّ من التعلم، وتبطئ التكيف، وتضعف القدرة على الاستجابة. فالمنظومات لا تفقد سرعتها بسبب غياب الضوابط، بل قد تفقدها أيضاً حين تصبح الضوابط نفسها أكثر صلابة من الواقع المتغير الذي تسعى إلى تنظيمه.
وقد قدمت أوكرانيا المثال الأوضح على هذا النمط الجديد من التطور المتسارع. فلم تكن دورة الابتكار هناك ثمرة خطط نظرية بقدر ما كانت استجابة فرضتها الضرورة. وتحت ضغط الحرب، التقت الخبرات القادمة من خطوط المواجهة مع الكفاءات الهندسية، ومبادرات القطاع الخاص، والإرادة الوطنية الساعية إلى إيجاد حلول سريعة وفعالة. فقد جرى تكييف المسيّرات التجارية لأغراض الاستطلاع والضربات، فيما دخلت الحرب الإلكترونية ومنظومات مكافحة المسيّرات في دورات متلاحقة من التجربة والتطوير والتحسين. حتى باتت وتيرة التغيير نفسها تتجاوز، في بعض الأحيان، قدرة منظومات المشتريات التقليدية على مواكبتها.
وبطبيعة الحال، فإن استخلاص الدروس من أوكرانيا يقتضي قدراً من الحذر. فالحرب تخلق ظروفاً استثنائية، وتفرض إيقاعاً للعمل لا تستطيع مؤسسات زمن السلم أن تعيد إنتاجه بالكامل، وربما لا ينبغي لها ذلك أصلاً. وما تقدمه التجربة الأوكرانية ليس نموذجاً جاهزاً للاستنساخ، بقدر ما يسلط الضوء على قيمة أكثر عمقاً، تتمثل في القدرة على التكيف. فالقوة العسكرية التي تعجز عن مواكبة التحولات المتسارعة قد تجد نفسها تقدم إجابات الأمس لتحديات اليوم. وتترتب على ذلك دلالات مهمة فيما يتعلق بمفهوم السيادة الدفاعية. فقد ارتبطت السيادة، لعقود طويلة، بما تمتلكه الدول من منصات، وبنى تحتية، وقواعد صناعية، وسلاسل إمداد، وحقوق ملكية فكرية، وقدرات وطنية قادرة على التطوير والإنتاج والاستدامة. ولا تزال هذه الركائز تمثل أساساً لا غنى عنه؛ فالدولة التي تعجز عن بناء القدرات الحيوية وصونها وتأمينها، تظل خياراتها الاستراتيجية محدودة.
غير أن السيادة في بيئة تتسارع فيها دورات الابتكار لم تعد تُقاس بما تمتلكه الدول فحسب، بل بقدرتها على تطوير ما تمتلكه، وتكييفه، ودمجه، وتحديثه بالسرعة التي تفرضها المتغيرات. فقد تمتلك الدولة منظومات متقدمة، لكن عجزها عن مواءمتها مع متطلبات الميدان المتجددة يحد من قدرتها على المناورة. وقد تحصل على تقنيات متطورة، لكن ما لم تكن قادرة على فهمها، وصيانتها، وتطويرها، فإن الاعتماد على الخارج سيظل حاضراً. كما أن وجود شركات وطنية كبرى، مهما بلغت قدراتها، لا يغني عن إشراك الشركات المتخصصة، والموردين المتخصصين، والمؤسسات البحثية، والجامعات، في دورة الابتكار؛ لأن التفوق لا يُبنى على قدرات منفردة، بل على منظومات تتدفق فيها المعرفة، وتتسارع فيها فرص التطوير.
ومن هنا، لم تعد القدرة السيادية تقوم على العمق وحده، بل على الجمع بين العمق والمرونة. فالعمق يمنح القوة والاستدامة، أما المرونة فتمنح هذه القوة القدرة على البقاء ذات صلة وفاعلية في عالم سريع التغير. ولهذا تعيد حكومات عدة النظر في الكيفية التي تتعاون بها وزارات الدفاع مع الشركات العاملة في مجالات التقنيات الناشئة. فالقضية لا تتعلق بمجرد زيادة الإنفاق على الابتكار، إذ تمتلك معظم المنظومات الدفاعية بالفعل برامج ومبادرات مخصصة لهذا الغرض. أما التحدي الحقيقي، فيكمن في ضمان قدرة الأفكار الواعدة على الانتقال عبر المنظومة بالسرعة الكافية لتُحدث أثراً فعلياً قبل أن تتجاوزها دورة جديدة من التغير.
أما بالنسبة إلى الشركات الناشئة والشركات الأصغر العاملة في مجالات التقنية، فإن القطاع الدفاعي لا يُعد، في العادة، بيئة يسهل دخولها. فدورات التعاقد طويلة، وإجراءات التأهيل والاعتماد معقدة، ومتطلبات الأمن صارمة، وفرص الاختبار محدودة، كما أن التدفقات النقدية غالباً ما تكون هشة. ولهذا قد تمتلك بعض الشركات حلولاً واعدة ذات قيمة حقيقية، لكنها لا تتمكن من الاستمرار بالقدر الكافي حتى تصبح جزءاً من المنظومة الدفاعية الأوسع. ومن هنا، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه وزارات الدفاع بوصفها أول من يتبنى الحلول الواعدة. فبالنسبة إلى الشركات في مراحلها الأولى، قد يمثل أول تعاقد دفاعي نقطة تحول مفصلية؛ إذ يوفر إثباتاً عملياً لجدوى الحل، ويتيح تطويره في ضوء الخبرات التشغيلية، ويعزز ثقة المستثمرين، ويفتح آفاقاً أوسع للنمو. أما بالنسبة إلى الدولة، فإن تبني التقنيات الواعدة في مراحل مبكرة يتيح استيعابها داخل المنظومة الوطنية قبل أن تضيع فرص الاستفادة منها، أو تنتقل إلى جهات أخرى، أو تبقى خارج دائرة الاستخدام الفعلي. فبعض التقنيات لا تتراجع بسبب ضعفها، بل لأن المنظومات لا تكتشف قيمتها في الوقت المناسب.

وقد اتجهت مؤسسات دفاعية عدة حول العالم إلى بناء مسارات مؤسسية تتيح للشركات غير التقليدية الانتقال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التطبيق. فالتجارب التي شهدتها الولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، وعدد من الدول الأوروبية، تكشف عن توجه متزايد نحو تقليص الفجوة بين الابتكار والاستخدام الفعلي، وإيجاد بيئات تسمح باختبار الحلول الواعدة وتسريع انتقالها إلى الميدان. وفي هذا السياق، عملت وحدة الابتكار الدفاعي الأمريكية (DIU) على توسيع التعاون مع الشركات التجارية، حيث منحت منذ عام 2016 نحو 450 عقداً لتطوير نماذج أولية، وأسهمت في تحويل 62 مشروعاً تجريبياً، شارك فيها 57 مورداً مختلفاً، إلى عقود اتحادية لاحقة، بقيمة تعاقدية بلغت 5.5 مليارات دولار، مدعومة باستثمارات خاصة وصلت إلى 19.1 مليار دولار. فيما وسّع برنامج «أفويركس» (AFWERX) نطاق هذا التوجه داخل القوات الجوية الأمريكية، مع إبرام 10,400 عقد تزيد قيمتها على 7.24 مليارات دولار منذ عام 2019. كما اتجه برنامج «ديانا» (DIANA) التابع لحلف شمال الأطلسي إلى استقطاب الشركات الناشئة والتقنيات الواعدة، حيث اختار أكثر من 70 شركة من 20 دولة عضواً في الحلف للمشاركة في برنامج التسريع لعام 2025 من بين أكثر من 2,600 طلب مشاركة، بينما يعكس برنامج «أجايل» الأوروبي المقترح (AGILE) توجهاً مماثلاً يركز على تسريع انتقال التقنيات الناشئة من المختبر إلى الميدان، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، والفضاء.
ولا تعني هذه التجارب أن كل فكرة ناجحة ستتحول بالضرورة إلى قدرة دفاعية جاهزة للاستخدام، فالواقع أكثر تعقيداً من ذلك. غير أنها تكشف عن تحول أعمق في فلسفة بناء القدرات؛ إذ لم يعد الابتكار نشاطاً جانبياً يضاف إلى المنظومة الدفاعية، بل أصبح جزءاً من بنيتها المؤسسية. فالمسألة لا تتعلق بتمويل الأفكار فحسب، بل ببناء مسارات تسمح باختبارها، وتطويرها، وتبنيها حين تثبت جدواها. وسارت المملكة المتحدة في الاتجاه ذاته من خلال مبادرة الابتكار الدفاعي البريطاني (UK Defence Innovation)، التي تهدف إلى توحيد جهود الابتكار ضمن إطار أكثر تكاملاً، وتسريع وصول القوات المسلحة إلى التقنيات التي تولدها الأسواق التجارية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الهياكل التنظيمية بقدر ما يكمن في الثقافة المؤسسية. فإعادة تنظيم المؤسسات أمر ممكن، أما بناء ثقافة قادرة على التعلم والتكيف والاستجابة السريعة فهو الاختبار الأصعب.
ففي عالم تتسارع فيه دورات الابتكار، يبقى السؤال الأهم بسيطاً في ظاهره، عميقاً في دلالته: هل تستطيع التقنيات المفيدة أن تصل إلى من يحتاجها قبل أن يسبقها إيقاع التغير؟ وبالنسبة إلى الإمارات، يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة. فقد أمضت الدولة عقوداً في بناء قاعدة صناعية دفاعية أكثر نضجاً، واستثمرت في الشركات الوطنية الرائدة، والتصنيع المتقدم، والشراكات الاستراتيجية، وبرامج المشاركة الصناعية، والتوطين، وتطوير المواهب، ونقل التكنولوجيا. وقد أرست هذه الجهود أسساً متينة مكّنت الدولة من الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً في بناء القدرات الوطنية. أما المرحلة التالية، فهي مرحلة التسريع.
يجب أن تكون المنظومة الدفاعية السيادية قادرة على الانخراط مع الشركات الناشئة دون أن تُقوِّض السرعة التي تمنحها قيمتها وفاعليتها.
واليوم، لم يعد التحدي يتمثل في بناء الأسس بقدر ما يتمثل في تعظيم أثرها وتسريع وتيرة تطورها. ومع تعمق طموحات الإمارات في مجالي الدفاع والتقنيات المتقدمة، تغدو المرونة امتداداً طبيعياً لمفهوم السيادة الحديثة. فلم تعد الأولوية تقتصر على امتلاك القدرات الوطنية، بل أصبحت تشمل ضمان قدرتها على التطور والتكيف والاستجابة لمتطلبات بيئة سريعة التغير. وهذا يقتضي منظومة وطنية أكثر تكاملاً، تتقارب فيها الأدوار، وتتقاطع فيها القدرات، وتعمل فيها الشركات الدفاعية الكبرى، والموردون المتخصصون، والشركات الناشئة، والجامعات، ومراكز البحوث، والمستثمرون، والجهات الحكومية، بوصفها أجزاءً من مشروع وطني واحد.
ولمجلس التوازن للتمكين الدفاعي دور محوري في هذا السياق. فبصفته إحدى المؤسسات المعنية بتمكين القطاع الدفاعي، يربط المجلس بين التطوير الصناعي، والمشتريات، وبناء القدرات، والشراكات الاستراتيجية. كما يعكس دعمه لرواد الأعمال الإماراتيين والشركات الناشئة العاملة في مجالات الدفاع، والأمن، والتقنيات ثنائية الاستخدام، تحولاً أوسع في طبيعة بناء القدرات. فالتقنيات التي ستشكل مشهد المستقبل لن تنبع من المؤسسات الصناعية الكبرى وحدها، بل ستأتي أيضاً من شركات أكثر تخصصاً، قادرة على معالجة مشكلات محددة بسرعة، وأكثر قدرة على تطوير تقنيات ذات استخدامات دفاعية ومدنية في آنٍ واحد. وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة، لأن كثيراً من التقنيات التي تعيد تشكيل المشهد الدفاعي اليوم تنبع من مجالات ثنائية الاستخدام. فالذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والروبوتات، والأمن السيبراني، والمواد المتقدمة، والاتصالات، وأجهزة الاستشعار، وتحليلات البيانات، لم تعد حكراً على المختبرات الدفاعية التقليدية، بل أصبح تطويرها يجري في الجامعات، ومراكز البحث والابتكار، والأسواق التجارية، وشركات التكنولوجيا في القطاع الخاص.
ولهذا، ينبغي للمنظومة الدفاعية السيادية أن تمتلك القدرة على التعرف إلى القيمة أينما ظهرت، وأن تهيئ بيئة تسمح للتقنيات الواعدة بالنمو والاختبار والتبني، وأن تنفتح على الشركات الناشئة من دون أن تُفقدها السرعة التي تمنحها قيمتها، وأن تحمي المتطلبات الحساسة مع الإبقاء على مساحة للتجريب، وأن تختبر التقنيات الناشئة بسرعة من دون الإخلال بالمعايير. فالتحدي لا يكمن في الاختيار بين السرعة والانضباط، بل في تحقيق التوازن بينهما، وفي امتلاك القدرة على توسيع نطاق ما يثبت نجاحه، والتوقف عما لا يحقق النتائج المرجوة، والتعلم من التجربتين معاً.
ويقتضي ذلك مقاربة أكثر اتزاناً للمخاطر. فالمشتريات الدفاعية التقليدية لم تُصمم بهذا القدر من الحذر من قبيل المصادفة، بل لأن الأمن القومي، والمال العام، وحياة الإنسان، كلها قضايا لا تحتمل المجازفة. والحذر ضرورة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حذر مفرط أو إلى جمود. فالمخاطر لا تنشأ من التعجل وحده، بل قد تنشأ أيضاً من التأخر في الاستجابة لعالم لا يتوقف عن التغير. وليس الحل في إضعاف المعايير، بل في اعتماد مسارات تتناسب مع طبيعة كل نوع من القدرات. فبرنامج تطوير طائرة استراتيجية لا يمكن أن يسير بالوتيرة نفسها التي يتطلبها تحديث برمجي لمنظومة لمكافحة المسيّرات. فالمنصات الكبرى تحتاج إلى سنوات من التصميم والاختبار والتصديق، في حين تتطلب التطبيقات الميدانية دورات أقصر تقوم على التجريب المنضبط، والتحسين المستمر، والتطوير المتواصل.
ويجب أن تمتلك المنظومة الدفاعية الناضجة القدرة على العمل وفق الإيقاعين معاً. فقد أصبح هذا النموذج ثنائي السرعة أحد السمات المميزة للدفاع الحديث. فالبرامج طويلة الدورة توفر الكتلة الاستراتيجية، والاستدامة، والقدرات المتقدمة، في حين يوفر الابتكار قصير الدورة القدرة على التكيف، وسرعة الاستجابة، وعنصر المفاجأة. ويتمثل التحدي أمام الحكومات في الربط بين المسارين، من دون أن تؤدي إجراءات أحدهما إلى إعاقة الآخر أو إبطاء وتيرته. أما بالنسبة إلى القطاع الصناعي، فإن ذلك يعيد تعريف معنى التنافسية. فالمنظومة الدفاعية التنافسية ليست مجرد منظومة قادرة على إنتاج أنظمة متقدمة، بل هي منظومة تستطيع الاستجابة للطلب المتغير، ودمج التقنيات الجديدة، ودعم عمليات التحديث، وتعزيز سلاسل الإمداد، والتعاون عبر مختلف مستويات القاعدة الصناعية. أما بالنسبة إلى القوات المسلحة، فإن ذلك يعيد تعريف مفهوم الجاهزية. فالجاهزية لا تعني مجرد توافر المعدات، بل تعني امتلاك القدرة المؤسسية على استيعاب الأدوات الجديدة، وتكييف التكتيكات، وتدريب المستخدمين، وتحديث العقيدة العسكرية، وإعادة توظيف الدروس المستفادة في عملية التطوير. أما بالنسبة إلى صانعي السياسات، فإن ذلك يعيد تعريف مفهوم السيادة. فالسيادة لا تعني الملكية فحسب، بل تعني القدرة على الفعل. فهل تستطيع الدولة أن تتحرك باستقلالية عندما تتغير الظروف؟ وهل تستطيع تكييف منظوماتها من دون انتظار موافقات خارجية؟ وهل يمكنها تعبئة قاعدتها الصناعية والتكنولوجية الوطنية؟ وهل تستطيع تحويل المعرفة الوطنية إلى ميزة عملياتية؟
إن ساحة المعركة المستقبلية لن تكافئ القدرات الجامدة، بل ستكافئ المنظومات القادرة على التطور، والمؤسسات القادرة على التعلم، والصناعات القادرة على التوسع، والشراكات القادرة على التحرك وفق رؤية واضحة. وهذا لا يعني السرعة بأي ثمن، بل يعني سرعة منضبطة، وسرعة مقترنة بالمعايير، وسرعة موجهة بقصد استراتيجي واضح. وبالنسبة إلى الدول التي تعمل على بناء منظومات دفاعية سيادية، يصعب تجاهل النتيجة التي تفرض نفسها. فالابتكار وحده لم يعد كافياً. إن القدرة على تحويل الابتكار إلى قدرات عملية قابلة للاستخدام بسرعة، وبصورة متكررة، وعلى نطاق واسع، أصبحت إحدى السمات الفارقة للقوة الدفاعية الوطنية. في الماضي، كان التفوق الدفاعي يرتكز في المقام الأول على الامتلاك. أما في المستقبل، فسيعتمد بصورة متزايدة على القدرة على التكيف. قد لا تكون الدولة الأسرع تعلماً هي التي تنتصر دائماً؛ فالحروب نادراً ما تكون بهذه البساطة. لكن الدولة التي تعجز عن التعلم بالسرعة الكافية ستجد صعوبة أكبر في المنافسة، وصعوبة أكبر في الردع، وصعوبة أكبر في حماية مصالحها في عالم أصبح فيه تسارع التغير جزءاً من طبيعة التهديد نفسه.



