بداية مغايرة

آراء ووجهات نظر

بداية مغايرة

مجلة «فورسايت» هي منصة للتأمل والتحليل تسعي إلى تسليط الضوء على ملامح منظومة وطنية تتقدم بثقة

في حياة المؤسسات، ليست كل البدايات على نفس الدرجة. فبعضها يأتي امتداداً لما سبقه، وبعضها الآخر يمثّل تحوّلاً في الرؤية وإعادة صياغة تامة. وهذه واحدة من تلك البدايات. ليس لأنها تدشّن إصداراً جديداً فحسب، بل لأنها تجسّد تأسيس منصة تنطلق من منظور مختلف؛ منصة تتجاوز آنيّة الأحداث، وتسعى إلى العمق خلف العناوين، وتتفاعل مع ما يتشكّل بهدوء على خط الأفق.

شهدت السنوات الأخيرة تقاطعاً غير مسبوق بين مجالات السياسة والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا. فقد باتت الحدود الفاصلة بينها أكثر ضبابية، وتأثيراتها أكثر تشابكاً، ومساراتها أعسر فهماً بمعزل بعضها عن بعض. ومع كل تحوّل، تبدو الأولويات وكأنها تتبدّل، قبل أن تعود إلى توازنها ضمن منظومة أشمل وأكثر تعقيداً.

ومع ذلك، تواصل التجربة تأكيد حقيقة أعمق: أن جوهر القوة لا يكمن في هذه الركائز منفردة، بل في كيفية فهمها ومواءمتها وتوجيهها. فبين السياسة والاقتصاد والأمن لا توجد منافسة جوهرية، بل علاقة اعتماد متبادل. وما يحكم هذا الترابط ليس التراتبية، بل وضوح التقدير.

إن القدرة على قراءة الحاضر دون الارتهان له، واستشراف المستقبل دون الانفصال عن الواقع، والتصرف بتوازن في مواجهة حالة عدم اليقين، هي ما يميّز بين المنظومات التي تكتفي برد الفعل، وتلك التي تسهم في صياغة المسار. ومن هذا الفهم تنبثق «فورسايت». لا بوصفها مطبوعة تقليدية، بل منصة للتأمل والتحليل؛ تسعى إلى تفسير التحولات، وربط الرؤية بالممارسة، واستجلاء ملامح منظومة وطنية تتقدم بثقة، وتُبنى بروية، وتتطور وفق غاية واضحة.

لقد اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر الزمن، مساراً لا يفصل الأمن عن التنمية، ولا القدرة عن السيادة. بل سعت إلى بناء نموذج تتقاطع فيه الصناعة الدفاعية، والشراكات الاستراتيجية، والتقدم التكنولوجي، ضمن رؤية وطنية موحدة. وهذا التقاطع ليس وليد الصدفة، ولا مجرد استجابة للمستجدات، بل يجري تشكيله بصورة مقصودة، من خلال القيادة، ووضوح الاتجاه، ومؤسسات صُممت لا للاستجابة فحسب، بل للتمكين أيضاً.

ومع صدور هذا العدد الأول، تتوجه «فورسايت» إلى قرائها، محلياً وإقليمياً وعالمياً، لا بوصفهم متلقين للمعلومات فحسب، بل شركاء في الفهم، ومساهمين في الحوار الأوسع الذي يتشكل في هذا المجال. وتنطلق المجلة من قناعة بأن قيمة الخطاب لا تُقاس بحجم ما يُقدَّم، بل بدقة الرؤية، وبقدرته على إضفاء الوضوح حيث يسود التعقيد.

وعلى هذا الأساس، تقوم «فورسايت» على إطار تحريري منهجي يتألف من ستة محاور رئيسية، يمثل كل منها بُعداً جوهرياً من أبعاد تمكين الدفاع. وتظل هذه المحاور ثابتة في أساسها، متجددة في مضمونها، بما يتيح عدسة متسقة لقراءة التحولات عبر الأعداد المتعاقبة. وتشكّل هذه المحاور، في مجموعها، مساراً متكاملاً لا يُنظر إليه بوصفه استجابة آنية، بل تموضعاً استباقياً. فهو يبدأ بالجاهزية الاستراتيجية، ويمتد إلى التمكين الصناعي والتوطين، حيث تُبنى القدرات بصورة مدروسة وتترسخ على المدى الطويل. ويتعزز بالمعايير والتنظيم، حيث تُبنى الثقة لا بالامتثال وحده، بل بالمصداقية. كما يتقدم عبر الابتكار وتقنيات الاستخدام المزدوج، حيث تتحول الأفكار إلى أثر ملموس. ويرتكز على المواهب والمعرفة، انطلاقاً من إدراك أن العنصر البشري يظل الأساس الأكثر استدامة للتقدم. ويتوسع من خلال الشراكات الاستراتيجية، التي لا تقوم على المصالح العابرة، بل على المواءمة بعيدة المدى والقيمة المشتركة.

ومن خلال هذه الأبعاد، تسعى «فورسايت» إلى تقديم اتساق في الرؤية، وعمق في التحليل، ووضوح في الاتجاه؛ بما يضمن أن يسهم كل عدد، لا في فهم الحاضر فحسب، بل في الطريقة التي يُنظر بها إليه. ومن هنا، يكتسب افتتاح هذا العدد الأول بحوار استراتيجي مع سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، نائب رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس التوازن للتمكين الدفاعي، دلالة خاصة. ويقدم سموه رؤية تتجاوز حدود السياسات، وتعكس فلسفة متجذرة تقوم على المواءمة بين الأولويات الوطنية، والحقائق العالمية، ومتطلبات المستقبل.

وهذا ليس حواراً يُراد له أن ينتهي بإجابات قاطعة، بقدر ما يهدف إلى توسيع أفق التفكير. فاستشراف المستقبل، في جوهره، لا يتعلق بالتنبؤ بما سيأتي، بل بفهم ما ينبغي أن يكون، والاستعداد للإسهام في تشكيله بوضوح ووعي.

sig.png

سعادة الدكتور ناصر حميد النعيمي
الأمين العام، مجلس التوازن للتمكين الدفاعي

شارك