عصر الدفاع السيادي

آراء ووجهات نظر

عصر الدفاع السيادي

في عالم يتسم بمزيد من العنف والتشظي، باتت الحكومات تمنح أولوية متزايدة لبناء قدرات دفاعية سيادية

في مختلف أنحاء العالم، من البرازيل إلى إستونيا، ومن المملكة العربية السعودية إلى ماليزيا، تتجه الحكومات اليوم إلى المطالبة ببناء قدرات دفاعية سيادية والعمل على تطويرها. ويمثل ذلك تحولًا جوهرياً مقارنة بالثلاثين عاماً الماضية، كما يدفع الشركات المصنّعة إلى إعادة صياغة نماذج أعمالها. وكما هو الحال مع أي تحول مجتمعي واسع، فإن العوامل التي تقف وراء هذا التوجه متعددة ومعقدة، غير أن ثلاثة عناصر رئيسية تبرز بوصفها المحركات الأساسية لهذا التحول.

نعيش في عالم أكثر خطورة:

في عام 2025، نشر معهد أوسلو لأبحاث السلام (PRIO) تقريره حول اتجاهات النزاعات. وكتبت الباحثة الرئيسية في المعهد، سيري آس روستاد: "أصبح العالم اليوم أكثر عنفاً وتشظياً بدرجة كبيرة مقارنة بما كان عليه قبل عشرة أعوام." وكان فريقها قد تتبّع النزاعات حول العالم منذ عام 1946، لتشير نتائج أبحاثها إلى حدوث تحول بنيوي واضح. فقد كان عام 2024 الأكثر عنفاً على الإطلاق في السجلات المرصودة، إذ شهد 61 نزاعاً في 36 دولة، إضافة إلى 74 نزاعاً بين أطراف غير حكومية. واستمر هذا الاتجاه طوال عام 2025 مع اندلاع مواجهات بين الهند وباكستان، وكذلك بين كمبوديا وتايلاند، إلى جانب نزاعات أخرى.

وفي أوروبا، أعادت الحرب الروسية-الأوكرانية تشكيل البنية الأمنية للقارة. وقد أدركت دول أوروبية كثيرة، مع صباح الرابع والعشرين من فبراير 2022، أنها ستكون مضطرة إلى زيادة استثماراتها الدفاعية. وتتخذ نسبة كبيرة من هذه الدول اليوم خطوات تهدف إلى ضمان أن يحقق الإنتاج المحلي والقدرات السيادية أكبر عائد ممكن لأموال دافعي الضرائب.

أما في الشرق الأوسط، فقد أسهمت طهران على مدى سنوات في تغذية هذا المسار المضطرب عبر حلفائها ووكلائها الإقليميين. غير أن العمليات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة ضد النظام الإيراني دفعت المنطقة إلى مستوى جديد من العنف. وفي ظل غياب حسم واضح للحرب، يُرجَّح أن يستمر هذا الاضطراب. وإلى جانب ذلك، ومع شروع العديد من دول المنطقة في التفكير بمرحلة ما بعد آخر برميل نفط، باتت تلك الدول تتجه بصورة متزايدة نحو بناء القدرات السيادية بوصفها ضمانة للمستقبل على أكثر من صعيد.

وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تسعى الصين إلى لعب دور أكثر حضوراً في منظومة الأمن الإقليمي، وهو موقع تحاول الولايات المتحدة الحفاظ عليه لنفسها. ومع تمسك الطرفين بمنطق الهيمنة، تجد دول المنطقة نفسها أمام خيار بالغ الصعوبة: إما الارتهان لإحدى القوتين العظميين مع خطر الوقوع على الجانب الخطأ من حرب كبرى، أو السعي إلى تطوير أكبر قدر ممكن من المعدات محلياً.

أما في أمريكا اللاتينية، حيث أصبحت العصابات والجماعات المسلحة غير الحكومية أكثر جرأة في استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المستحدثة، فتحاول الحكومات ضمان أن تحقق ميزانياتها الدفاعية المحدودة بعض العائد الاجتماعي إلى جانب توفير الأمن اليومي. غير أن معظم هذه البلدان  باستثناء البرازيل  لا تزال تعتمد على أساطيل عسكرية قديمة، وبعضها يحتفظ حتى الآن بدبابات تعود إلى الحرب العالمية الثانية. وقد دفع ذلك العديد من الحكومات إلى المطالبة بالإنتاج السيادي، أو على الأقل بالمشاركة المحلية، ضمن صفقات التسلح الحديثة.

تبدّل ملامح الضامن الأمني:

يصعب التنبؤ بالإدارة الأمريكية الحالية، وهذا بات واضحاً للجميع. غير أن واشنطن كانت تتراجع عن دورها بوصفها الضامن الأمني للعالم منذ سنوات. فما يُعرف اليوم بـ«التحول نحو المحيطين الهندي والهادئ» بدأ فعلياً عام 2011 في عهد الرئيس باراك أوباما، حين بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في تحويل مواردها وتركيزها الاستراتيجي نحو تلك المنطقة. وفي ذلك العام، كتبت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، هيلاري كلينتون، في مجلة «فورين بوليسي» أن منطقة آسيا-المحيط الهادئ تمثل مستقبل السياسة العالمية.

وبناءً على ذلك، اختلفت مقاربة الولايات المتحدة تجاه مناطق العالم المختلفة. فقد بدت بعض الإدارات الأمريكية مترددة بصورة واضحة في فرض خطوطها الحمراء في سوريا والعراق. كما واصلت معظم الإدارات مطالبة أوروبا بتحمّل نصيب أكبر من أعباء الدفاع عن نفسها. ومع اندفاع الدول نحو شراء الأسلحة والمنصات العسكرية عقب اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، اكتشفت كثير منها أنها تقف في ذيل قوائم انتظار طويلة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شهدت المعدات العسكرية الأمريكية ارتفاعاً ملحوظاً في تكلفتها. وفي أوروبا والشرق الأوسط، دفعت هذه الظروف الحكومات إلى التوجه نحو تركيا وإسرائيل وكوريا الجنوبية للحصول على المركبات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي ومنظومات الصواريخ بعيدة المدى. وتمكنت بعض الدول، مثل بولندا، من انتزاع ترتيبات نقل تكنولوجيا مواتية للغاية ضمن هذه الصفقات.

الدفاع محرّكاً للنمو:

تشير صفقة بولندا لشراء دبابات القتال الرئيسية الأمريكية M1A2 SEP v3 Abrams إلى أن سعر الوحدة الواحدة يبلغ نحو 19 مليون دولار، رغم أن هذا الرقم يشمل التدريب والذخائر والدعم اللوجستي. وللمقارنة، حين أعلنت المملكة العربية السعودية نيّتها شراء 315 دبابة M1A2 عام 1989، كان من المتوقع أن يبلغ سعر الوحدة نحو 2.3 مليون دولار فقط — أي ما يعادل نحو 6 ملايين دولار وفق أسعار اليوم. ويعكس ذلك الارتفاع الحاد في تكلفة المعدات الدفاعية. 

وعلاوة على ذلك، یبدو أن الشراء بكمیات ضخمة لا یؤدي بالضرورة إلى خفض أسعار المنصات العسكریة بصورة ملموسة إذ لا یزال طلب بولندا المتوقع لشراء ألف دبابة یُفضي إلى تكلفة للوحدة قریبة من تكلفة K2 Black Panther، بل إن التكلفة ترتفع أكثر عند احتساب الاستثمارات البولندیة في إنشاء مصنع محلي. ومع ذلك، فإن دبابات Abrams للعدید من الدول الأوروبیة ذات المیزانیات المحدودة لم تعد تجد جاذبیة في منح عقود بملیارات الدولارات لشركات أجنبیة تستفید وحدھا تقریباً من ھذه الأموال. ویُؤمل أن تجعل الصناعة السیادیة والقدرات المحلیة الإنفاقَ الدفاعي المتزاید أكثر قبولًا لدى الرأي العام.

وھناك أیضاً مسألة السیادة والاستقلالیة. فقد منح اعتماد إسرائیل على صناعتھا المحلیة في توفیر الذخائر قبل ھجومھا على إیران قواتھا المسلحة قدراً مھماً من المرونة العملیاتیة. وعلى النقیض من ذلك، أدى عجز أوكرانیا عن إنتاج جزء كبیر من احتیاجات قواتھا إلى صعوبات حادة خلال السنوات الأولى من الحرب، إذ بدا البلد مراراً على حافة الھزیمة مع تعثر تمریر المساعدات الأمریكیة داخل الكونغرس وصعوبة تنظیم أوروبا لجھودھا. ومن ھنا، فإن القدرات الإنتاجیة السیادیة لا تسھم فقط في تعزیز العائد الاقتصادي للإنفاق الدفاعي، بل تتعلق بصورة أكثر أھمیة ببناء قدرات تضمن قدراً من الاستقلالیة في أوقات النزاعات.

إن تلاقي تصاعد العنف والاضطراب العالمي مع تراجع الولایات المتحدة الأمريكية عن دور الضامن الأمني یُعدّ، بالنسبة لكثیر من المحللین، المحرك الجیوسیاسي الرئیسي لتوجه الدول نحو بناء القدرات السیادیة. وفي الوقت نفسه، فإن الارتفاع المستمر في تكالیف التسلح یعني أن عدداً متزایداً من الدول لم یعد مستعداً لمشاھدة الشركات الأجنبیة ومساھمیھا وحدھم یحصدون فوائد الإنفاق الدفاعي. وعلى ھذا الأساس، یمكن توقّع عقد إضافي على الأقل من الجھود المركّزة لبناء القدرات السیادیة، وما بعد ذلك قد تشھد المنظومة الدفاعیة العالمیة تحولًا جذریاً.

شارك