الحرب الكهرومغناطيسية:بناء القدرة يبدأ من البيانات المحلية

آراء ووجهات نظر

الحرب الكهرومغناطيسية:
بناء القدرة يبدأ من البيانات المحلية

باتت العمليات الكهرومغناطيسية ركناً متزايد الأهمية في تصميم القوة، لكن القدرة السيادية على التعلّم تبقى الأساس الذي تقوم عليه أي استجابة ناجعة

إن الحرب الكهرومغناطيسية اليوم تدخل مرحلة مختلفة. صحيح أن حرمان الخصم من الطيف لا يزال تكتيكاً مهماً، لكنه لم يعد وحده مقياس التفوق. فالمعركة الأشد تعقيداً باتت تستهدف جودة القرار نفسه تحت الضغط الكهرومغناطيسي. وحين تصبح الإشارات والوصلات ومسارات الاتصال موضع شك، يظل القادة في مواقعهم، لكنهم يفقدون الثقة في المعلومات التي يستندون إليها. 

ومن هذا التحول ولد مفهوم الحرب الكهرومغناطيسية الإدراكية، الذي يوظف الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي لبناء استجابات تكيّفية سريعة ومنضبطة إزاء الإشارات المثيرة للريبة. فمنظومات الكشف عن التهديدات والاستجابة الآلية تجمع بين الاستشعار، وتفسير الإشارات، والوعي بالطيف، والتغذية الراجعة، ضمن دورة تعلّم محكومة. وفي إطار عقيدة دفاعية تقوم، كما هي الحال في الإمارات، على الردع والحماية، تساعد هذه الدورة على فهم ما يتغير في الطيف، وتحديد المعلومات التي لا تزال جديرة بالثقة، وتقييم ما إذا كانت الاستجابة تحقق أثرها المنشود.

وتكشف النزاعات الأخيرة أن الميزة العسكرية لم تعد تُبنى على منصات منفردة، بل على سلاسل اشتباك مترابطة. فأجهزة الاستشعار، ووصلات البيانات، ودعم الملاحة، والأسلحة، والأهداف الخداعية، والحماية الإلكترونية، باتت جميعها تعمل ضمن منظومة واحدة تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. 

وقد أظهر اشتباك جوي وقع مؤخراً في منطقة مجاورة القيمة العملياتية للاستشعار الشبكي خارج المنصة، والتوجيه، وهندسة الاشتباك. كما تعكس حملات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى في مسارح أخرى المنطق ذاته، وإن كان ذلك بكلفة أقل. لهذا، يجري تطوير المنظومات أحادية الاتجاه لتصبح أكثر قدرة على الصمود الملاحي، وأكثر اعتماداً على المعالجة الداخلية، والوصلات البعيدة، وخصائص التوجيه النهائي. وقد جعلت هذه التحسينات أساليب التعطيل التقليدية أقل حسماً. فربما ينجح المدافع في التشويش على وصلة واحدة، لكن السلسلة الأوسع تواصل عملها عبر مسارات بديلة. ومع ذلك، يبقى على القائد أن يحدد أي أجزاء هذه السلسلة لا تزال فاعلة، وما إذا كانت استجابته كافية.

وتضع الولايات المتحدة التفوق الطيفي في صميم عملياتها داخل بيئات النزاعات، فيما تتعامل عقيدتها الاستراتيجية مع عمليات الطيف الكهرومغناطيسي بوصفها مسؤولية مشتركة على مستوى القوة بأكملها. أما خطط القدرات الأوروبية، فتعطي أهمية متزايدة لترتيب المعركة الكهرومغناطيسية، والعمليات المعتمدة على الطيف، والإدارة الديناميكية له. وفي شرق آسيا، ترتبط القدرات الكهرومغناطيسية ارتباطاً وثيقاً بالعمليات متعددة المجالات، والمنظومات غير المأهولة، ووظائف القيادة والسيطرة الرقمية.

ومع اختلاف المقاربات، تبقى النتيجة واحدة: غدت العمليات الكهرومغناطيسية ركناً حاسماً في تصميم القوة. وهذا يعني أن القوات المسلحة باتت في حاجة إلى القدرة على قراءة النشاط الطيفي، وإدارة الغموض، وإسناد القرار تحت الضغط الكهرومغناطيسي. فامتلاك أفضل المعدات يظل ضرورة، لكنه لا يكفي وحده ما لم يكن جزءاً من منظومة أشمل للاستشعار، والقيادة، وضمان الفاعلية التشغيلية. 

ولا يزال التحدي قائماً. فالتقنية، على الرغم من تسارع تطورها، لا تقدم الأداء نفسه في جميع الظروف. صحيح أن التعلّم الآلي يساعد على تصنيف الإشارات، وتحديد هوية المُرسِلين، وفهم النشاط الطيفي، وإسناد البصمات الراديوية، كما يحسن قدرات التعرّف وترتيب الأولويات. غير أن أداءه يبقى رهيناً بجودة البيانات، وظروف الإشارة، واختلاف أجهزة الاستقبال، وطبيعة سلوك الخصم.

ويثير التعرّف بالمجموعة المفتوحة تحدياً خاصاً. فمنظومات الحرب الكهرومغناطيسية العاملة في الميدان لا تستطيع أن تفترض أن كل إشارة ذات صلة موجودة مسبقاً في مكتباتها. فقد تواجه مُرسِلات معدّلة، أو أشكالاً موجية محوّرة، أو وصلات بيانات محمية، أو انبعاثات خادعة. ولهذا تتعامل الأبحاث الحديثة في البصمة الراديوية للمجموعات والعوالم المفتوحة مع المُرسِل المجهول بوصفه التحدي المحوري.

وهكذا، تبرز المتانة بوصفها قيداً آخر لا يقل أهمية. فنماذج الترددات الراديوية قد يتراجع أداؤها مع تغير أجهزة الاستقبال، أو تبدل خصائص القناة، أو تدهور جودة الإشارة. كما قد تتأثر بالأمثلة المزوّرة، والبيانات المسمومة، والتغييرات المتعمدة في سلوك الإرسال. فالحرب الكهرومغناطيسية ليست بيئة ثابتة، بل بيئة يصوغها الخصم بفاعلية وإرادة. ومن ثم، لا تكفي الدقة وحدها، بل تصبح الثقة في مواجهة الغموض، والمتانة في مواجهة الخداع، جزءاً لا يتجزأ من المتطلبات التشغيلية.

ولهذا تتطلب الحرب الكهرومغناطيسية الإدراكية مزيجاً من هندسة الترددات الراديوية، ومعالجة الإشارات، والتعلّم الآلي، ومكتبات التهديدات، والخبرة العملياتية للمشغّل، والتجريب المنضبط. ورغم أن هذا المجال يسير في الاتجاه الصحيح، فإنه لا يزال بحاجة إلى قدرات أقوى في التعرّف بالمجموعة المفتوحة، ومتانة أكبر، وآليات تحقق محلية مستقلة، وتقييم أكثر موثوقية للأثر. 

فما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى القوات المسلحة؟ الجواب بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته: لا غنى عن قدرة سيادية على التعلّم الكهرومغناطيسي. وتبدأ هذه القدرة ببناء قاعدة أدلة محلية. فالمنظومات المستوردة، والنماذج التي يختبرها مطوروها قد تظل مفيدة، لكن لا يمكن افتراض أنها ستؤدي الأداء نفسه في البيئات التشغيلية الأكثر تعقيداً. ولهذا ينبغي أن تشكل بيانات الترددات الراديوية المحلية، وبيانات منظومات الملاحة الفضائية العالمية، وبيانات التداخل والتشويش، الأساس الذي تقوم عليه القدرة السيادية.

ويأتي بعد ذلك التفسير الموثوق. فالحرب الكهرومغناطيسية الإدراكية تفقد كثيراً من قيمتها إذا اقتصرت على التعرف إلى الإشارات المعروفة في ظروفها المتوقعة. إذ لا بد أن تكون قادرة على كشف السلوك غير المألوف، والتعبير بدقة عن درجة الثقة في استنتاجاتها، وتحديد ما إذا كانت المعلومات المشكوك في موثوقيتها تصلح، رغم ذلك، لأن يُبنى عليها القرار. وعند هذه النقطة، تتحول البيانات إلى تقدير عملياتي.

وهذا التقدير لا يقتصر أثره على مجال بعينه، بل يمتد إلى مختلف مجالات العمليات. فاستجابة الحرب الكهرومغناطيسية تتقاطع مع الدفاع الجوي، والاتصالات، والمنظومات غير المأهولة، والأمن البحري، والبنية التحتية الحيوية. ولهذا ينبغي النظر إلى إسناد القرار في الطيف الكهرومغناطيسي بوصفه جزءاً من إدارة المخاطر التشغيلية، لا مجرد إضافة تقنية على هامشها.

ويبقى المتطلب الأخير: التغذية الراجعة. فلا بد من تقييم أثر كل استجابة، لأن المشغّل يحتاج إلى معرفة ما إذا كان الإجراء الذي اتخذه قد أربك الهدف، أو دفعه إلى تغيير نمطه، أو أجبره على الانزياح، أو أفضى إلى نتائج لم تكن في الحسبان. فمن دون هذه التغذية الراجعة، تبقى الحرب الكهرومغناطيسية سلسلة من الأفعال المنفصلة التي لا يراكم بعضها أثر بعض. أما حين تصبح التغذية الراجعة جزءاً من الدورة التشغيلية، تبدأ القوة في التعلّم.

والغاية المباشرة واضحة: ترسيخ طبقات الأدلة، والتفسير، والتحقق، والتغذية الراجعة، قبل الانتقال إلى استجابات كهرومغناطيسية أكثر تكيفاً وانضباطاً. غير أن الغاية الأبعد تتجاوز ذلك. فالقدرة السيادية الحقيقية لا تُقاس بما تملكه الدولة من معدات ومنظومات فحسب، بل بقدرتها على التعلّم من بيئتها، وفهم خصومها، وتحويل الخبرة المتراكمة إلى معرفة قابلة للتطوير. ففي نهاية المطاف، لا تنبع الميزة المستدامة من امتلاك التقنية وحدها، بل من القدرة على التعلم بوتيرة أسرع من التحديات التي تفرضها البيئة الكهرومغناطيسية المتغيرة. 

شارك