
إعادة التفكير في نموذج البحث والتطوير الدفاعي في دولة الإمارات
يؤكد د. أحمد الدرّة، نائب رئيس جامعة خليفة للبحث العلمي، أن نماذج التعاون في منظومة البحث والتطوير الدفاعي ينبغي أن تتجاوز تمويل المشاريع قصيرة الأجل نحو شراكات مستدامة قادرة على تحويل المعرفة إلى قدرات وطنية مؤثرة
لم يعد التحدي أمام منظومات البحث المتقدمة اليوم في إنتاج المعرفة، بل في تحويلها إلى قدرات سيادية. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في القطاعات الدفاعية والاستراتيجية، حيث لا تُقاس قوة الدول بحجم مخرجاتها البحثية، بل بقدرتها على تطوير منظومات متكاملة موثوقة جاهزة للمهام، وتشغيلها بكفاءة.
أحرزت دولة الإمارات خلال العقد الماضي تقدماً ملحوظاً في بناء قاعدة بحثية رفيعة المستوى. فقد نمت الاستثمارات في البحث والتطوير، واتسعت المخرجات الأكاديمية، ورسّخت المؤسسات البحثية حضوراً عالمياً قوياً في مجالات علمية عدة. ومع ذلك، وكما هي الحال في كثير من منظومات الابتكار الناشئة، تبقى فجوة هيكلية بين التميز البحثي والتطبيق التشغيلي. وهي فجوة لا تنفرد بها الإمارات، غير أن تداعياتها أشد وضوحاً في المجالات المتصلة بالدفاع. فخلافاً للبيئات الأكاديمية الصرفة، يتطلب الابتكار الدفاعي قدراً كبيراً من الاتساق والاستمرارية والتكامل، وانتقالاً من المشاريع المنفردة إلى قدرات متكاملة تعمل في ظروف التشغيل الفعلية.
ومن السمات المتكررة في كثير من البرامج والمبادرات البحثية تركّز المشاريع في المستويات المبكرة والمتوسطة من مستويات الجاهزية التقنية (TRL 2–6). وغالباً ما تكون هذه المشاريع سليمة تقنياً، راسخة علمياً، لكنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى مسار واضح يقود إلى التكامل على مستوى المنظومة، والتحقق، والتطبيق الفعلي. كما تُطلق في حالات عديدة بوصفها جهوداً مستقلة، دون ارتباط وثيق بالمنصات القائمة أو المتطلبات التشغيلية أو خرائط الطريق طويلة المدى لتطوير القدرات. والنتيجة مشهد ابتكاري مجزّأ، غني بالأفكار، لكنه يفتقر إلى التقارب والتكامل.
ولا يعكس هذا التشتت ضعفاً في البحث العلمي، بل يعكس، على النقيض، منظومةً صُممت لإنتاج المعرفة أكثر مما صُممت لبناء القدرات. فالحوافز الأكاديمية تكافئ الإبداع والنشر العلمي، فيما يولي المعنيون بالقطاع الدفاعي الأولوية للموثوقية والتكامل والأداء في الظروف التشغيلية. ومن دون مواءمة مقصودة بين هذه الأولويات، تتباعد الأهداف ويتسع الفاصل بينها. وفي القطاعات الاستراتيجية، لا يمر هذا التباين دون تكلفة. إذ تتوزع الاستثمارات على مبادرات واعدة تفتقر إلى الترابط، وتتزايد أوجه الازدواجية، فيما تطول المسارات اللازمة للانتقال من البحث إلى التطبيق. وتبقى القدرة على تحقيق سيطرة سيادية على التقنيات الحيوية محدودة. ومن ثَمّ، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في التمويل أو المواهب أو النوايا، بل في تصميم المنظومة نفسها.
فالقدرات الدفاعية لا تُبنى بالاختراقات الفردية وحدها، بل بالتكامل المنضبط لتقنيات متعددة ضمن منظومات متماسكة، يجري التحقق من فاعليتها عبر تطوير نماذج أولية متعاقبة، واختبارها في ضوء المتطلبات التشغيلية. وهذا يستلزم الانتقال من التفكير القائم على المشاريع إلى التنفيذ القائم على البرامج. وفي هذا، يقدّم نموذج البحث والتطوير الموجَّه بالمهام مساراً عملياً. يرتكز هذا النموذج على أهداف واضحة لتطوير القدرات، سواء في مجال المنظومات المستقلة، أو تقنيات الاستشعار المتقدمة، أو الاتصالات الآمنة، أو منصات الطاقة من الجيل القادم. ولا تُنفَّذ الجهود البحثية بمعزل بعضها عن بعض، بل بوصفها مكونات ضمن بنية أشمل وأكثر تكاملاً. وييتم تنظيم عملية تطوير التقنيات عبر مختلف مستويات الجاهزية التقنية، مع آليات واضحة تضمن الانتقال من الفكرة إلى النموذج الأولي، وصولاً إلى التطبيق الفعلي.
ويتعين على الجامعات أن تعيد صياغة دورها ضمن هذا النموذج، إذ لم يعد كافياً أن تقتصر مساهمتها على إنتاج البحوث في مراحلها المبكرة. بل ينبغي أن تؤدي دوراً تكاملياً داخل منظومة الابتكار الوطنية، يربط بين العلوم الأساسية والهندسة التطبيقية، ويوائم مسارات البحث مع الأولويات الاستراتيجية. ويشمل ذلك الانخراط في مستويات أعلى من الجاهزية التقنية، والإسهام في تصميم المنظومات، والمشاركة في برامج تطوير القدرات طويلة المدى. ولا يقل دور الجهات الدفاعية والصناعية أهميةً عن ذلك. فلكي تتحقق الاستفادة الكاملة من القدرات الأكاديمية، لا بد أن تتجاوز نماذج التعاون تمويل المشاريع قصيرة الأجل إلى بناء شراكات مستدامة. وينبغي أن تقوم هذه الشراكات على أهداف ومهام مشتركة، مع توقعات واضحة بشأن التكامل والتحقق والوصول في نهاية المطاف إلى التطبيق الفعلي. وهذا لا يتطلب التزاماً مالياً فحسب، بل يستلزم أيضاً إتاحة الوصول إلى البيانات والمنصات والبيئات التشغيلية.
وتملك دولة الإمارات من المقومات ما يؤهلها لقيادة هذا التحول. فبفضل نموذج الحوكمة المركزي، والتنسيق المؤسسي الفاعل، والقدرة على توجيه الاستثمارات الاستراتيجية، تملك الدولة أساساً متيناً لبناء إطار أكثر تكاملاً للبحث والتطوير. كما تملك الجهات الأكاديمية والصناعية والحكومية بالفعل قدرات نوعية مؤثرة. أما الخطوة التالية، فتكمن في مواءمة هذه القدرات ضمن بنية منظومية موحَّدة.
وفي هذا السياق، ينبغي أن ينتقل التركيز من قياس النشاط البحثي إلى قياس مخرجات القدرات. فلا يُقاس النجاح بعدد المنشورات العلمية أو براءات الاختراع فحسب، بل بمدى القدرة على تطوير منظومات تعزز الصمود الوطني، وترسّخ الأمن، وتدعم الاستقلالية التقنية. ويمثّل الانتقال من المشاركة في البحث إلى امتلاك زمامه ضرورةً استراتيجية. ففي مجالات الدفاع والتقنيات المتقدمة، لا تتحقق السيادة بمجرد الوصول إلى المعرفة أو التكنولوجيا، بل بالقدرة على التحكم بها، ودمجها، وتوظيفها عملياً. وقد أثبتت دولة الإمارات قدرتها على بناء منظومة بحثية عالمية المستوى. أما التحدي اليوم، فيتمثل في ترجمة إمكانيات هذه المنظومة إلى ما هو أهم: قدرات تشغيلية حقيقية قابلة للتوسع.



