المنافسون الصاعدون

الفكرة الكبرى

المنافسون الصاعدون

كيف تعيد كوريا الجنوبية وتركيا صياغة قواعد التنافسية الدفاعية

على امتداد معظم حقبة ما بعد الحرب، كانت تراتبية سوق الأسلحة واضحة المعالم، وكان كل طرف يعرف موقعه فيها. فقد استندت هذه التراتبية إلى خطوط إنتاج متينة، وسلاسل إمداد ناضجة، وعلاقات تصدير مبنية على عقود من التعاون، فضلاً عن مؤسسات بحثية عريقة وروابط وثيقة بين الجيوش لا تتشكل إلا بمرور الزمن. كما كان اتساع الأسواق المحلية عاملاً مساعداً بدوره. وباختصار، لم يكن ثمة مجال للالتباس بشأن القوى المؤثرة في هذه السوق.

هذه التراتبية لم تندثر؛ فالولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان تستحوذان على معظم عمليات نقل الأسلحة الرئيسية في العالم، ولا يزال الموردون التقليديون يتمتعون بثقل كبير. غير أن المشهد بدأ يتغير من تحت الأسماء المألوفة، فيما تتسارع وتيرة إعادة التسلح عالمياً. ووفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ الإنفاق العسكري العالمي 2.9 تريليون دولار في عام 2025، مسجلاً بذلك الزيادة السنوية الحادية عشرة على التوالي. وفي أوروبا، ارتفع الإنفاق بنسبة 14% بالقيمة الحقيقية، فيما سجلت آسيا وأوقيانوسيا زيادة قدرها 8.1%.

كان الحديث عن القدرات يتصدر النقاش في السابق. أما اليوم، فلم يعد الأمر كذلك. فالمشترون يريدون أن يعرفوا مدى سرعة تسليم المنظومة، وما إذا كانت قطاعات الصناعة المحلية ستحصل على نصيب من البرنامج، وربما الأهم من ذلك كله، ما إذا كان المورد سيظل حاضراً ومستعداً للاستجابة حين تسوء الأمور على نحو خطير.

وقد أتاح هذا التحول المجال لظهور فئة جديدة من المنافسين في قطاع الدفاع. وليس هؤلاء بصدد إزاحة الموردين التقليديين من مواقعهم، على الأقل ليس بالمعنى المباشر. وإنما يفنّدون الافتراضات القديمة بشأن المصادر الحقيقية للقدرة التنافسية؛ إذ ينافسون على أساس السرعة، والقدرة على التكيف، وجاهزية الإنتاج، والسعر، ونقل التكنولوجيا، فضلاً عن قدرتهم على تحويل الاحتياجات المحلية إلى منتجات قابلة للتصدير.

وفي صدارة هذه الفئة الجديدة تبرز كوريا الجنوبية وتركيا بوصفهما أوضح مثالين عليها، وإن سلكت كل منهما مساراً مختلفاً للوصول إلى هذا الموقع. ففي كوريا الجنوبية، تقوم الاستراتيجية على الانضباط في التصنيع، واستقرار الطلب المحلي، والتوافق الوثيق في منظومة المشتريات، فضلاً عن سمعة ممتازة في الالتزام بمواعيد التسليم. أما تركيا، فقد شقت طريقها عبر السعي إلى الاستقلالية الاستراتيجية، واستيعاب الدروس المستخلصة من العمليات العسكرية، والتوسع السريع في منظومة صناعية محلية تعود أسسها المؤسسية الحديثة إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ولعل النظر إلى التجربتين معاً يقود إلى خلاصة جديرة بأن تؤخذ على محمل الجد: التاريخ الصناعي وحده لا يحسم التنافسية الدفاعية؛ إذ يمكن للسياسات والاستثمار أن يساهما في بنائها، وإن كان ذلك ضمن حدود معينة.

وفي واقع الحال إن سوق الدفاع العالمية لا تتسع فحسب، بل تتغير ملامحها أيضاً. فقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن استنزاف المخزونات واختناقات الإنتاج لدى موردين كان يُنظر إليهم يوماً بوصفهم بمنأى عن مثل هذه الضغوط. وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أكدت التطورات من جديد مدى أهمية القدرة على الصمود والعمق الصناعي. أما في الشرق الأوسط، فقد أدت الأزمات المتعاقبة إلى تنامي الطلب على منظومات الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، ومنظومات القيادة والسيطرة. ومن هنا، باتت الحكومات في مختلف أنحاء العالم تطرح على نفسها، بصيغ مختلفة، السؤال ذاته: هل تتمتع قاعدتنا الصناعية بما يكفي من العمق والقدرة على التكيف لتحمّل ضغوط متواصلة؟

ومن هذا المنطلق تحديداً، تستحق تجربتا كوريا الجنوبية وتركيا نظرةً أكثر تدقيقاً؛ إذ تكشف أرقام صادراتهما جانباً مما يقف وراء هذا العتاد من طاقة إنتاجية، ودعم حكومي، وطموح صناعي.

وتكشف الأرقام بالفعل حجم هذا التحول. فوفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تضاعفت صادرات كوريا الجنوبية من الأسلحة بأكثر من الضعف بين الفترتين 2010–2014 و2020–2024. وبحلول الفترة الأخيرة، كانت كوريا الجنوبية قد أصبحت عاشر أكبر مُصدّر للأسلحة الرئيسية في العالم، مستحوذةً على 2.2% من عمليات نقل الأسلحة العالمية، مقارنةً بـ0.9% قبل عقد من الزمن. ثم واصلت صعودها خلال الفترة 2021–2025، لتحتل المرتبة التاسعة عالمياً بحصة بلغت 3%، بينما تجاوز حجم صادراتها مستواه بنسبة 24%، مقارنة بالفترة 2016–2020. ويعزو المعهد جانباً كبيراً من هذا الصعود إلى قِصر فترات التسليم، والأسعار التنافسية، والشروط السخية لنقل التكنولوجيا؛ وهي مزايا برزت في توقيت كان فيه المنتجون الأوروبيون يواجهون صعوبة في توسيع قدراتهم الإنتاجية.

وفي المقابل، لا يبدو مسار تركيا أقل لفتاً للانتباه، غير أن الأرقام هناك تقيس شيئاً مختلفاً، وهو ما يستدعي قدراً من الحذر في قراءتها. فمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام يرصد عمليات نقل الأسلحة التقليدية الرئيسية باستخدام "قيمة مؤشر التوجّه"، وهو مقياس يهدف إلى رصد حجم عمليات النقل لا قيمتها المالية. أما الإحصاءات الرسمية التركية، فتقيس الإيرادات بالدولار على امتداد قطاع الدفاع والطيران والفضاء الأوسع، بما يشمل السلع والخدمات. ومن ثم، لا يصح وضع مجموعتي البيانات جنباً إلى جنب كما لو كانتا تقيسان الشيء ذاته. ومع مراعاة هذا الفارق، تشير المصادر التركية إلى أن صادرات قطاع الدفاع والطيران والفضاء بلغت نحو 10.5 مليار دولار في عام 2025، بزيادة كبيرة تقارب 48% عن العام السابق. وبحلول يوليو 2026، ارتفع إجمالي الصادرات خلال الاثني عشر شهراً السابقة إلى 11.2 مليار دولار.

لا شك أن أرقام البلدين لافتة. غير أن القصة الأجدر بالاهتمام تكمن في المنظومة الصناعية التي تقف وراء هذه الأرقام.

ولعل التجربة الكورية الجنوبية تكشف ذلك بوضوح. فكثيراً ما يُدرج صعودها تحت لافتة  قطاع الصناعات الدفاعية الكوري والمعروف اختصاراً باسم "K-defence"، كما لو كان امتداداً لظاهرة ثقافية ما. غير أن الأمر ليس كذلك؛ فالقصة الحقيقية هنا مؤسسية في جوهرها. ففي عام 2006، أُنشئت إدارة برامج الاستحواذ الدفاعي - دابا (DAPA)، لتجمع تحت مظلة واحدة وظائف كانت موزعة بين جهات حكومية مختلفة، وتقرّبها بذلك من نموذج منظومة استحواذ موحدة. وتشمل مهام "دابا" برامج تطوير القدرات العسكرية، والمشتريات، ودعم الصناعات الدفاعية، بما في ذلك دعم الصادرات.

وبعبارة أخرى، لم يكن ممكناً أن تقوم التنافسية على قدرات الشركات منفردة. فالمتطلبات، وترتيبات تقاسم المخاطر، والدعم الحكومي للصادرات، كلها عوامل تسهم في تشكيل تلك النتيجة. يضاف إلى ذلك أن كوريا الجنوبية تمتلك قاعدة صناعية قوية بالفعل يمكنها الاستناد إليها، تمتد من التصنيع المتقدم والإلكترونيات إلى بناء السفن وصناعة الطيران والفضاء. ومع اجتماع هذه العناصر تخرج منتجات لا تتمتع بالمصداقية التقنية فحسب، بل يمكن توفيرها بسرعة أيضاً؛ وهي ميزة يتبين أن لها وزناً بالغاً في المنافسة.

ولعل بولندا هي المثال الأبرز الذي يُستشهد به في هذا السياق. ففي عام 2022، سارعت وارسو إلى توقيع اتفاقيات إطارية وتنفيذية مع مجموعة من الموردين الكوريين الجنوبيين، في مسعى إلى تعويض المعدات التي أرسلتها إلى أوكرانيا، بالتوازي مع توسيع قواتها المسلحة. وبموجب هذه الترتيبات، تتولى "هيونداي روتيم" (Hyundai Rotem) توريد دبابات "كيه 2" (K2)، فيما تتولى "هانوا ايروسبيس" (Hanwha Aerospace) توريد مدافع الهاوتزر ذاتية الحركة "كيه 9" (K9) ومنظومة الصواريخ "تشونمو كيه 239" (Chunmoo 239)، بينما تتولى مؤسسة الصناعات الجوية الكورية (Korea Aerospace Industries) توريد الطائرات القتالية الخفيفة إف إيه 50 (FA 50). وفي أكثر تصورات الاتفاق الإطاري الأصلي طموحاً، كان من المقرر أن تصل الأعداد إلى 1,000 دبابة "كيه 2"، و672 مدفع هاوتزر "كيه 9"، و48 طائرة "إف أي-50"، إلى جانب طلبية كبيرة من منظومات تشونمو. غير أن هذه الحدود القصوى لا ينبغي أن تُفهم على أنها كميات حُسمت بالفعل ضمن عقود تنفيذية ملزمة؛ بيد أنها تكشف بوضوح حجم الطموح لدى الجانبين.

وقد تجلّت السرعة في التسليم بوضوح في الحالة البولندية. إذ وصلت الدفعة الأولى، التي ضمت 10 دبابات "كيه 2" و24 مدفع هاوتزر "كيه 9" ذاتي الحركة، إلى بولندا بعد نحو ثلاثة أشهر فقط من توقيع العقود التنفيذية الأولى؛ وهي سرعة لافتة بأي معيار. وبحلول سبتمبر 2025، أفادت وكالة التسلح البولندية بأن البلاد كانت قد تسلّمت 160 دبابة "كيه 2"، و192 مدفع هاوتزر ذاتي الحركة "كيه 9"، و126 وحدة إطلاق صاروخي من طراز "هومر كيه" Homar-K، وهي النسخة البولندية من منظومة تشونمو.

يأتي هنا التحدي الأصعب، وهو التوطين. ففي يوليو 2026، خرجت من مصنع هانوا في تشانغوون أولى مدافع الهاوتزر "كيه 9 بي إل" (K9PL) المصنّعة وفق المواصفات البولندية. ولا تزال الدفعة الحالية تُصنَّع في كوريا الجنوبية، غير أن البرنامج الأوسع يستهدف زيادة مشاركة الصناعة البولندية تدريجياً، وصولاً، في نهاية المطاف ورهناً باتفاقيات إضافية، إلى الإنتاج داخل بولندا نفسها. ومن ثم، لا يزال نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي هدفين قيد التحقق، لا واقعين منجزين. وما تسعى إليه سيول هو تحويل سرعة التسليم من ميزة آنية إلى علاقة أكثر استدامة: شراكة صناعية مندمجة في المنظومة المحلية.

وقد عبّر وزير إدارة برامج الاستحواذ الدفاعي سيوك جونغ غون، بوضوح عن الفلسفة الكامنة وراء هذا النهج خلال مؤتمر التعاون الدفاعي المشترك بين مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ومقره واشنطن، والإدارة في عام 2024، حين أشار إلى أن المتطلبات التي كشفت عنها حرب ممتدة تفوق قدرة أي دولة منفردة على تلبيتها. ومن هذا المنظور، يحتاج الحلفاء إلى ربط منظومات الإنتاج والصيانة والإمداد فيما بينهم، بدلاً من أن يحاول كل منهم العمل منفرداً. وهنا يتضح أن كوريا الجنوبية لا تسعى إلى مجرد بيع المعدات؛ بل تريد أن تصبح هي نفسها جزءاً من القدرة الصناعية الدفاعية لحلفائها.

بيد أن وراء هذا النجاح نقطة ضعف كامنة، وهو تركّز قاعدة العملاء في بضع مواقع. فقد استحوذت بولندا وحدها على 58% من عمليات نقل الأسلحة الرئيسية الكورية الجنوبية خلال الفترة 2021–2025. وإذا أُضيفت الفلبين والإمارات العربية المتحدة، ترتفع حصة أكبر ثلاثة عملاء لكوريا الجنوبية إلى نحو 85.5% من الإجمالي. ولا شك أن قاعدة العملاء أصبحت أوسع مما كانت عليه قبل عشر سنوات، غير أن الطفرة الأخيرة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على دورة استثنائية من إعادة التسلح في بولندا، وهي دورة لن تستمر إلى الأبد.

ويلفت معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى خطر آخر على المدى الأطول، وهو يتعلق بمجال الابتكار. فالنموذج الكوري الجنوبي المرتكز على الدولة يتمتع بقدرة كبيرة على استيعاب مخاطر التطوير وتحويل الأنظمة الناضجة إلى إنتاج صناعي واسع النطاق. غير أن ما يحتاج إليه بدرجة أكبر هو توفير حوافز أقوى للشركات الخاصة كي تستثمر أموالها في تقنيات الجيل المقبل التي لا تزال نتائجها غير مضمونة. لقد منح التميز في الإنتاج كوريا الجنوبية موقعاً قوياً في المنافسة، لكن الريادة التكنولوجية لعبة مختلفة، وتتطلب نمطاً من الاستثمار ينطوي على قدر أكبر من المخاطرة.

أما تركيا، فقد سلكت مساراً مختلفاً، تشكّل على مدى سنوات من القيود المفروضة على الحصول على المعدات الأجنبية، ومن إصرار شديد على إنهاء الاعتماد على الموردين الخارجيين. وُتعرِّف رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) مهمتها بأنها تعزيز المنظومة الدفاعية المحلية، وتلبية احتياجات القوات المسلحة بتقنيات مطوّرة محلياً، وتنمية الصادرات، وتوسيع نطاق القدرات الصناعية الدفاعية لتشمل قطاعات أوسع من الاقتصاد.

وقد اضطلعت القوات المسلحة التركية بدور مزدوج، بوصفها العميل الأساسي وميدان الاختبار في آن واحد. ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، ومقره لندن، إلى عمليات "غصن الزيتون" و"نبع السلام" و"درع الربيع" في سوريا، باعتبارها المحطات التي خضع فيها العتاد التركي للاختبار في ظروف قتالية فعلية. وقد كشفت تلك العمليات عن مواطن الضعف بقدر ما أظهرت نقاط القوة، بما في ذلك صعوبات حقيقية في إبقاء القوات مزوّدة بالكميات الكافية من الذخائر والمستشعرات والمعدات، بالوتيرة التي فرضتها العمليات. ومن ثم، انعكست هذه الدروس مباشرة على أولويات المشتريات، وتخطيط الإنتاج، ومراحل التطوير اللاحقة.

واللافت هو اتساع نطاق القدرات التي أفرزتها هذه العملية. فتركيا لا تنتج اليوم الطائرات غير المأهولة فحسب، بل أيضاً المنصات البحرية، والمركبات المدرعة، والصواريخ، والإلكترونيات، والرادارات، ومنظومات الدفاع الجوي، مستندةً في ذلك إلى تجمّع متنامٍ من الشركات المتخصصة. وأظهر تحليل أجرته رويترز لبيانات التجارة أن الأسلحة التركية وصلت إلى نحو 40 دولة. أما بيانات الجمارك التركية الأوسع نطاقاً، فتشير إلى أن صادرات قطاع الدفاع والطيران والفضاء وصلت إلى 178 دولة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في مايو 2026، فيما تشير تصريحات رسمية أخرى إلى 185 دولة وأكثر من 230 منتجاً. غير أن هذه الأرقام لا تستند إلى الحدود والمعايير نفسها، ولا إلى التعريفات ذاتها للمنتجات؛ ومن المرجح أن تشمل الأعداد الأكبر المصرح بها كثيراً من الصفقات الصغيرة المتعلقة بمنتجات الطيران والفضاء أو المكونات أو الخدمات. ومن ثم، فإن التصدير إلى 178 دولة لا يعني وجود 178 شراكة عسكرية عميقة، ولا ينبغي قراءة الرقم على هذا النحو.

وتقدم شركة بايكار (Bayka)  مؤشراً مفيداً على حجم هذا الانتشار. فقد أعلنت الشركة المملوكة للقطاع الخاص أن صادراتها بلغت 2.2 مليار دولار في عام 2025، بما يعادل 88% من إجمالي إيراداتها البالغة 2.5 مليار دولار. كما تقول إنها وقّعت اتفاقيات تصدير مع 37 دولة لطائراتها المسيّرة من طرازي "تي بي 2" (TB2) "وأكنجي" (Akinci)، وتصف نفسها بأنها أكبر مُصدّر للمركبات الجوية القتالية غير المأهولة في العالم للعام الثالث على التوالي. صحيح أن الأرقام المالية صادرة عن الشركة نفسها، وكذلك وصفها لنفسها بأنها الأكبر عالمياً؛ غير أن الانتشار الدولي الواسع الذي تعكسه هذه الأرقام لا يكاد يكون موضع خلاف.

وتبرز في هذا المسار محطة مهمة: اتفاقية أكنجي الموقعة مع المملكة العربية السعودية في يوليو 2023، خلال زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى المملكة. وصف الرئيس التنفيذي لشركة بايكار الاتفاقية بأنها أكبر عقد تصدير دفاعي وفي مجال الطيران في تاريخ الجمهورية التركية، من دون أن تُعلن رسمياً قيمة العقد أو عدد الطائرات المشمولة به. وشملت الصفقة التدريب والدعم اللوجستي ونقل التكنولوجيا، فيما وضعت الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) هدفاً يتمثل في تصنيع ما يصل إلى 70% من الطائرة محلياً. وفي أكتوبر 2025، أكملت كوادر من الجانب السعودي تدريبها على أكنجي، تمهيداً لدخولها الخدمة.

وتُظهر إندونيسيا مدى قابلية هذا النموذج للامتداد إلى أسواق أخرى. ففي فبراير 2025، جرى الاتفاق على مشروع مشترك لإنتاج الطائرات المسيّرة، تضمّن خططاً للتصنيع المحلي. وفي مايو 2026، وقّعت بايكار وشركة "بي تي ريبابليك ايرو ديرغانتارا" (PT Republik Aero Dirgantara) أول اتفاق إطاري لتصدير الطائرة القتالية غير المأهولة الأحدث، كيزيليلما (Kızılelma) ، ويشمل 12 طائرة تبدأ عمليات تسليمها اعتباراً من عام 2028. ووفقاً لـبايكار، يتضمن الاتفاق أيضاً خيارات لشراء 48 طائرة إضافية، إلى جانب ترتيبات للصيانة والتعاون الصناعي. ولا شك أن ذلك يمثل محطة تجارية فعلية؛ غير أن من المهم التذكير بأن توقيع اتفاق إطاري لمنظومة لا تزال تشق طريقها نحو مرحلة الإنتاج لا يعادل امتلاك قدرة عملياتية جرى تسليمها بالفعل.

وعلى مستوى المنظومات، تتكرر الصورة ذاتها. ففي نوفمبر 2025، وقّعت شركات تركية عقوداً بقيمة 6.5 مليار دولار لتعزيز وتوسيع منظومة الدفاع الجوي المتكاملة أو القبة الحديدية (Steel Dome) في البلاد. وتصف أمانة الصناعات الدفاعية المنظومةً بأنها تتألف من 47 مكوّناً، تشمل الرادارات، والصواريخ، والمستشعرات الكهروبصرية، وعُقد القيادة والسيطرة، وطبقات دفاعية متعددة تختلف في مدياتها. غير أن جمع هذه العناصر ضمن منظومة واحدة يفرض مستوى مختلفاً من التعقيد الصناعي، لأنها تسعى إلى تحقيق التكامل على المستوى الوطني.

ومع ذلك، تظل الاستقلالية الاستراتيجية هدفاً تسعى تركيا إلى بلوغه، لا واقعاً مكتملاً. وتحذّر أبحاث المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية من أن تحقيق استقلالية مطلقة يكاد يكون مستحيلاً؛ إذ إن توطين جزء من سلسلة الإمداد قد لا يفعل أكثر من استبدال شكل من أشكال الاعتماد بآخر، ولا سيما في مجالات أنظمة الدفع، والمواد المتقدمة، والإلكترونيات الدقيقة، والأنظمة الفرعية المتخصصة. كما تصطدم الطموحات التركية بارتفاع تكاليف البرامج، والتنافس على الكفاءات المتخصصة، والضغوط الاقتصادية العامة. ومن ثم، فإن الصيغة الأقوى للنموذج التركي لا تقوم على الانعزال، بل على استقلالية انتقائية تقترن بشراكات دولية.

تكمن قوة كوريا الجنوبية في موثوقيتها الإنتاجية: انضباط التصنيع، وخطوط الإنتاج النشطة، والتوافق مع منظومات الحلفاء، وسرعة التسليم. أما قوة تركيا، فتكمن في توسع صناعي مدفوع بالسعي إلى الاستقلالية: ارتباط وثيق بالمتطلبات العملياتية، وسرعة التطوير التكراري، واتساع القاعدة الصناعية، والاستعداد لتكييف المنتجات وفق الاحتياجات. غير أن هذه مواطن قوة نسبية، وليست سمات حصرية لأي من البلدين. فسيول تضع ثقلها في التسليم، بينما تضعه أنقرة في التكيّف.

وكلا النهجين مهم، لأن المشترين اليوم يبحثون عن أكثر من مجرد الأداء. فهم يريدون أن يعرفوا ما إذا كان المورد قادراً على توسيع نطاق الإنتاج، وتوطينه، وتدريب المشغّلين، والحفاظ على موثوقيته عندما يقفز الطلب. كما أن التمويل وتراخيص التصدير عاملان مهمان، شأنهما شأن قدرة الوصول إلى البرمجيات وقطع الغيار والتحديثات لأن تستمر حتى في حال نشوب خلاف سياسي. ولم يصل أيٌّ من البلدين إلى هذا الموقع بمحض المصادفة؛ بل بُني نجاحهما عن قصد. أما استمرار هذا النجاح، فيتوقف على ما يحدث بعد الصفقة الأولى.

ويعتمد كلا النموذجين على التوافق المؤسسي. فعلى الرغم من اختلاف الموقع الرسمي الذي تشغله كل من إدارة برنامج الاستحواذ الدفاعي وأمانة الصناعات الدفاعية ضمن منظومة الدولة، فإن كلاً منهما يربط بين المتطلبات الوطنية، والاقتناء، والتطوير الصناعي، واستراتيجية التصدير. ومن دون هذا التنسيق، يصعب الحفاظ على استدامة الطاقة الإنتاجية وسلاسل الإمداد.

وقد بدأ بالفعل تحوّل كوريا الجنوبية من مجرد مُصدّر إلى شريك مندمج في المنظومة الصناعية للدول المستوردة. فوفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام للفترة 2021–2025، أصبحت كوريا الجنوبية ثاني أكبر مورد للأسلحة الرئيسية إلى الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، بحصة بلغت 8.6% من وارداتها، بعد الولايات المتحدة التي استحوذت على 58%، ومتقدمةً على إسرائيل وفرنسا. كما تشير أطر التعاون مع الاتحاد الأوروبي وشركاء في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وآسيا إلى مسعى متعمد لترسيخ هذا الموقع. غير أن النفاذ إلى الأسواق يظل مشروطاً؛ إذ يمكن لتفضيل الدول الأوروبية للمعدات المصنّعة محلياً، ومتطلبات تمويل الصادرات، والقيود المفروضة على التكنولوجيا ذات المنشأ الأمريكي، أن تقف جميعها في طريق العروض الكورية الجنوبية.

ولتركيا بدورها نسختها الخاصة من المشكلة ذاتها. فشركاتها تستفيد من مرونة سلاسل الإمداد ومن استعداد حقيقي لتكييف منتجاتها وفق احتياجات العملاء، فيما ينظر محللون أوروبيون، على نحو متزايد، إلى القدرات التركية باعتبارها قادرة على استكمال القاعدة الصناعية للقارة، بدلاً من منافستها. غير أن الخلافات المتعلقة بقبرص واليونان وسوريا وروسيا، إلى جانب معضلة إنضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، لا تزال تؤثر في مدى القبول السياسي الذي تحظى به تركيا فعلياً.

ففي قطاع الدفاع، لا تقتصر الثقة على ما إذا كان المورد سيستجيب عند وقوع أزمة، وإن كان ذلك مهماً أيضاً. فالثقة تعني التوافق. وضوابط تصدير يمكن التنبؤ بها. وتمويلاً يتسم بالشفافية. وبرمجيات وبيانات آمنة. وتعني كذلك الاطمئنان إلى أن خلافاً سياسياً في شأن ما لن يؤدي فجأة إلى انقطاع الدعم.

ما يظهر إلى الواجهة هو العتاد: الدبابات، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والسفن. غير أن ما يصنع القدرة التنافسية فعلياً يكمن في منظومة أعمق تقف وراء ذلك العتاد؛ من الخبرات الهندسية، والبرمجيات، والمستشعرات، والاختبارات، والاعتماد، والبنية التحتية للإصلاح، وصولاً إلى الآليات التي تستوعب الملاحظات على الأداء التشغيلي وتحولها إلى تحسينات في المنتجات، حتى بعد مرور سنوات على دخول المنظومة الخدمة للمرة الأولى.

وتختلف مصادر هذا العمق بين التجربتين. ففي كوريا الجنوبية، يستند معظمه إلى قاعدة صناعية أوسع وإلى عقود من الطلب العسكري المحلي المستقر. أما في تركيا، فينبع على نحو متزايد من شبكة الشركات التي تشكّلت حول بايكار والصناعات الجوية التركية (Turkish Aerospace) وأسيلسان (Aselsan) وروكيتسان (Roketsan).

غير أن العقود وعمليات التسليم المبكرة لا تكشف سوى قدر محدود من الصورة. فهي لا تفصح عن شيئ يُذكر تقريباً عن الأداء على مدى الدورة العمرية للمنتجات. فمعدلات الجاهزية، وتسليم قطع الغيار، وتنفيذ التحديثات، والقدرة على التدريب، وتكاليف الدورة العمرية الكاملة، هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه العلاقات ستصمد بمرور الوقت. فالنفاذ إلى السوق يبدأ بالصفقة الأولى، أما ما إذا كان الاعتماد الناشئ عنها يستحق ذلك، فلا يُختبر إلا من خلال الدعم المستمر، بعد سنوات من إتمامها.

وللنجاح في التصدير التزاماته أيضاً. فالصادرات الدفاعية قد تقوّي الحلفاء وتزيد من مرونة الصناعة وقدرتها على الصمود، لكنها تفرض في المقابل مسؤوليات حقيقية تتعلق بمراقبة الاستخدام النهائي، ومنع إعادة التوجيه، والحد من الأضرار التي قد تطال المدنيين. أما المبيعات إلى حكومات استبدادية، أو إلى عملاء متورطين في نزاعات جارية، فقد يكون ثمنها باهضاً، سواء على المستوى السياسي أو على صعيد السمعة؛ وقد تحدّ لاحقاً من فرص الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق. والمورّد القادر على المنافسة بحق يحتاج إلى منظومة ذات مصداقية من الضوابط والمساءلة، متأصلة في نشاطه التصديري، لا طبقةً تُضاف إليه في اللحظة الأخيرة.

تكشف تجربتا كوريا الجنوبية وتركيا عن تحوّل في قواعد المنافسة داخل الصناعة الدفاعية. فالقوى الكبرى لم تفقد ثقلها، لكنها لم تعد المرجع الوحيد لما يبدو عليه النجاح في هذا القطاع. وفي المقابل، لا تستطيع سوى قلة من الدول استنساخ أيٍّ من النموذجين بكامل تفاصيله؛ فتاريخ كل بلد، وبيئته التهديدية، وتحالفاته، وخياراته السياسية، هي عوامل شديدة الخصوصية بحيث يصعب نقلها إلى سياق آخر.

التنافسية الدفاعية لا تُورَّث، بل تُبنى من خلال خيارات تحدد ما ينبغي تطويره وتوطينه وتمويله وما ينبغي تصديره وحمايته. فقد حوّلت كوريا الجنوبية عمقها التصنيعي إلى سرعة وحجم إنتاج، فيما حوّلت تركيا الضرورة التي فرضتها القيود والحظر، والملاحظات حول الأداء التشغيلي، إلى منتجات قابلة للتكيّف وإلى نفوذ سياسي.

أما استدامة صعود أيٍّ من البلدين على المدى الطويل، فستتوقف على أمور لم تستطع موجة الصادرات الأولى إثباتها بعد: القدرة على الابتكار خارج المجالات الناضجة التي رسّخا حضورهما فيها، وتوفير دعم موثوق على امتداد الدورة العمرية للمنظومات، بالإضافة إلى الحفاظ على وصول مستقر إلى التقنيات الحيوية، وبناء الثقة السياسية اللازمة للبقاء شريكاً أصيلاً للعملاء من القوات المسلحة لعقود طويلة، لا لسنوات فحسب.

صعود كوريا الجنوبية وتركيا لم يكن وليد المصادفة، بل صُمّم عن قصد. أما قدرة هذا التصميم على الصمود، فهي التي ستحدد كيف تنتهي القصة.

شارك