
القواعد الجديدة للتنافسية الدفاعية
يعيد التنويع رسم ملامح المشهد الصناعي الدفاعي، لكن هل ستتمكن هذه الشركات جميعها من البقاء حين تنحسر موجة الإنفاق الراهنة؟
الاستعداد للحرب أمرٌ عسير، وخاصة على مجتمعٍ يُعلي قيمة مواطنيه على قوة السلاح. فهو يقتضي من الحكومات، في جوهره، أن تحوّل الموارد من مرافق الحياة اليومية إلى الدبابات والسفن والطائرات والذخيرة.
فقبيل الحرب العالمية الثانية، أنفقت ألمانيا سُدس ناتجها القومي الإجمالي على إعادة التسلح. ووفقاً لبيانات جمعها مجلس الإنتاج الحربي الأمريكي عام 1946، بلغ ما أنفقته ألمانيا على الذخائر بين عامي 1935 و1939 ما يعادل 2.4 مليار دولار، مقابل 800 مليون دولار أنفقتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مجتمعتين. كانت ألمانيا تستعد للحرب؛ بينما كانت المملكة المتحدة والولايات المتحدة تأملان في تجنبها.
أما اليوم، فيبدو العالم أشد تصدّعاً من أي وقت مضى. فالنزاعات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أربكت التجارة في الشرق الأوسط، وأثقلت كاهل القوات الدفاعية لدول الخليج. وجرّت حرب روسيا في أوكرانيا أوروبا إلى إعادة التسلح على مضض، في حين دفعت استعدادات الولايات المتحدة للدفاع عن تايوان إلى موجة من المشتريات، منها اتفاقات إطارية بقيمة 90 مليار دولار مع لوكهيد مارتن (Lockheed Martin) بشأن معترضات THAAD وPAC-3 MSE.
وتضع هذه التطورات مجتمعةً الدول أمام معادلة صعبة: خطر الحرب بات حقيقياً ووشيكاً، والإنفاق العام مرتفع بالفعل، فيما تطول فترات انتظار الذخائر الرئيسية إلى مستويات مقلقة. ومن هنا، تتجه دول كثيرة بقوة إلى بناء قدراتها الإنتاجية محلياً، حتى وإن حمل هذا التوجه في طياته تبعات قد لا تظهر إلا على المدى البعيد.
ورغم الارتفاع الكبير في الإنفاق الدفاعي العالمي، فإن زيادة الأموال لا تعني بالضرورة زيادة القدرة على الشراء بالوتيرة نفسها. فوفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ارتفع الإنفاق الدفاعي العالمي بنسبة 9.4% في عام 2024 ليصل إلى 2.3 تريليون دولار، ثم بلغ 2.9 تريليون دولار في عام 2025. لكن هذا الطلب المتزايد يصطدم بقاعدة إنتاجية محدودة؛ إذ تعتمد دول كثيرة على الخارج للحصول على قدرات متقدمة، من أنظمة الدفاع الجوي والسفن الحربية إلى الصواريخ الجوالة. وقد ظل إنتاج هذه المنظومات طوال العقود الثلاثة الماضية محصوراً في عدد قليل من الشركات، الأمر الذي أطال فترات الانتظار وأبطأ المشتريات. ويكفي أن شركة راينميتال الألمانية (Rheinmetall) أعلنت أخيراً أن قيمة طلبياتها المتراكمة بلغت 80 مليار يورو، بعدما كانت 24.5 مليار يورو في عام 2021.
وثمة عاملان مؤثران في هذا المشهد: أولهما أن تصاعد التهديدات العالمية يُنذر بتراجع التردّد في اللجوء إلى القوة مستقبلاً؛ وثانيهما أن اقتناء العتاد اللازم للتصدّي لتلك التهديدات باهظ الكلفة وبطيء، ويفرض الاعتماد على قوى خارجية. وهذه الضغوط تدفع الدول إلى إعادة النظر في قدراتها الدفاعية المحلية.
أما في الولايات المتحدة، فملامح التوسع الصناعي الكبير واضحة. فالجيش الأمريكي يعتمد على عدد محدود من الشركات في توفير قدرات جوهرية، منها صواريخ توماهوك وJASSM الجوالة. ومن ثم، أُبرمت عقود إطارية مع لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان (Northrop Grumman) ورايثيون(Raytheon) لزيادة الإنتاج، فيما تضيف شركات جديدة، مثل أندوريل (Anduril) وكاستليون (Castelion)، قدرات أخرى إلى الترسانة الأمريكية. ويساعد الطلب الخارجي على صواريخ مثل "باك-3" PAC-3 في موازنة كلفة الاستثمارات الأمريكية في توسيع الإنتاج وخفض كلفة الوحدة. غير أن دولاً كثيرة لا تملك ترف انتظار المنظومات الأمريكية، فأخذت تستثمر في قدراتها الإنتاجية الخاصة، أو تتجه إلى موردين آخرين.
وقد باشرت الشركات الرئيسية الراسخة، مثل "إم بي دي أي" (MBDA)، وكونغسبرغ (Kongsberg) ورافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة (Rafael Advanced Defence Systems)، بتعويض النقص في الأنظمة؛ إذ ارتفع عدد مستخدمي صاروخ الضربة المشتركة (Joint Strike Missile) الذي تنتجه كونغسبرغ من اثنين في عام 2021 إلى ستة اليوم. وفي الوقت ذاته، بدأ منافسون جدد يطرحون بدائل لما تقدمه الشركات الرئيسية. فقد أكملت "كامبردج إيروسبيس" (Cambridge Aerospace) البريطانية جولة تمويل بقيمة 300 مليون جنيه إسترليني بعد حصولها على عقود لمنظومتها الاعتراضية سكاي هامر (Skyhammer)، فيما تطوّر "روترون إيروسبيس" (Rotron Aerospace) منظومة سكاي لانس (SkyLance)، التي توصف بأنها مؤثّر منخفض التكلفة، بدعم من مشروع "بريك ستوب" (BRAKESTOP) التابع لوزارة الدفاع البريطانية.
أما في مجال صناعة الذخائر المدفعية، فقد اتسع نطاق التنويع بصورة أشد وضوحاً. فخارج أوروبا، كانت بعض الدول قد بدأت بناء قدراتها المحلية قبل حرب أوكرانيا بوقت طويل؛ فقد أعلنت الإمارات إنشاء مصنع للذخائر في عام 2007، ودشّنت السعودية مصنعاً لقذائف الهاون ومدافع الهاوتزر في عام 2016.

بيد أن المشهد تغيّر على نحو لافت منذ عام 2022، مع توسّع راينميتال و"سي إس جي" (CSG) بقوة في أنحاء أوروبا. فراينمتال تبني مصانع لذخائر المدفعية، أو تتفاوض على بنائها، في ليثوانيا ولاتفيا وبلغاريا والمجر وأوكرانيا، بالإضافة إلى أستراليا. أما "سي إس جي"، فتتولى إدارة شركة الأنظمة الدفاعية اليونانية (Hellenic Defense Systems)، إلى جانب إنشاء منشأة لها في الولايات المتحدة، فيما تمضي إستونيا والدنمارك وكندا أيضاً في إنشاء مصانع. وتشير تقديرات أولية إلى أنه بحلول عام 2030، سيكون هناك ما لا يقل عن 25 مُصنِّعاً لذخائر عيار 155 ملم في الشرق الأوسط والأمريكتين وأوروبا، بطاقة إنتاجية تتجاوز مليوني قذيفة سنوياً.
وما ستؤول إليه موجة التنويع هذه هو الأساس لفهم القواعد الجديدة للتنافسية الدفاعية. لا شك أن للإنتاج المحلي مزاياه؛ فهو يوفّر فرص العمل، ويساعد الشركات الكبرى التي تتزايد طلبياتها المتراكمة لتفي بمواعيد التسليم. لكن الطلب على ذخائر المدفعية وصواريخ الدفاع الجوي والمركبات المدرعة سيظل محدوداً ما لم تندلع حرب. وهذا يعني، بوجه عام، أنه متى اكتملت عملية تعويض المخزونات وإعادة التسلح في أوروبا، فمن المرجح أن يستقر الإنفاق في كثير من الدول، بدلاً من أن يواصل نموه بوتيرة متسارعة.
وإذا استقر الإنفاق بالفعل، فسيجد العالم نفسه أمام عدد من شركات الدفاع يفوق بكثير ما عرفه منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين كان إنفاق الحرب الباردة كفيلاً بدعم منظومة صناعية واسعة. وفي مشهد كهذا، ستشتد المنافسة بدرجة كبيرة. ففي مجال الذخائر المتسكعة على سبيل المثال، كان المستخدمون في السابق يختارون بين" يوفيجن" (UVision) و"إيروفيرونمنت" (AeroVironment)، أما اليوم فأمامهم طيف أوسع بكثير من الموردين، من "هيلسينغ" (Helsing) و"ستارك" (Stark) ومجموعة ، (WB Group) إلى أندوريل و"كي إن دي إس فرانس" (KNDS France) وراينميتال، فضلاً عن "مجموعة إيدج" (EDGE Group) الإماراتية، وغيرها الكثير. وجميعها قادرة على تقديم قدرات متقدمة، وإن تفاوتت في سجلّها العملياتي ومستويات أسعارها.
فكيف تنجو أقوى الشركات في هذا المشهد الجديد؟ لعلّ الشركات التي نجحت في إثبات جدارتها في السوق الأمريكية تكون أوفر حظاً، وإن لم يكن نجاحها مضموناً. غير أن تجارب دورات الإنفاق الدفاعي السابقة تشير إلى أن الشركات التي تواجه تنوّع المنافسين بتنويع أعمالها هي الأقدر على النجاح. وهذا يقتضي دعم القدرات الدفاعية السيادية، تلبيةً لاحتياجات وزارات الدفاع، مع بذل جهد مماثل لبناء محفظة صادرات مزدهرة، تمتد إلى عملاء في مختلف أنحاء العالم.
وباتت التكلفة، ومعها سرعة التسليم التي تتزايد أهميتها، من العوامل الحاسمة في قرارات الشراء. ويتضح ذلك في اقتناء النرويج وكرواتيا راجمة الصواريخ "تشونمو K239" من كوريا الجنوبية، إذ أشارت الدولتان إلى أن طول فترات انتظار منظومة "هايمارز" كان من العوامل التي أثّرت في اختيارهما. كما أن جانباً كبيراً من السوق العالمية لا يستطيع مجاراة مستويات الإنفاق الدفاعي في الدول الأوروبية. ومن هنا، فإن بناء محفظة صادرات متنوعة، تستند إلى تشكيلة واسعة من المنتجات، وربما تمتد إلى أنشطة في القطاعين التجاري أو المدني، من شأنه أن يساعد شركات الدفاع على استباق تداعيات ما قد تشهده السوق من استقرار في الطلب بعد موجة النمو الحالية.



