
ننافس أم لا ننافس
لن تتمكن جميع الدول من تأسيس صناعات دفاعية تنافسية ومستدامة
هناك فرق جوهري بين القدرات الدفاعية السيادية والقدرات الدفاعية التنافسية. فالأولى تلبي المتطلبات الاستراتيجية المحلية وتمنح القوات المسلحة الحرية اللازمة لأداء واجباتها. أما الثانية، والتي تحتم المنافسة على الصعيد الدولي، فهي تجلب معها قدراً كبيراً من المسؤوليات الإضافية تجاه المستخدم.
يتعين على كل من ينشط في تصدير المنتجات والخدمات الدفاعية أن يثبت تمتعه بمصداقية عالية في الجوانب التقنية وموثوقية تامة في الجوانب الصناعية. كما يتعين عليه الامتثال لأنظمة الاستيراد والتصدير في كل منطقة يعمل بها. إضافة لذلك، يتوجب أن يتمتع بإمكانيات كاملة لصيانة وتحديث وإدامة المعدات والأنظمة لفترة طويلة بعد التسليم. ولعل أهم المتطلبات أن يكون حاضراً على الدوام ومستعداً للاستجابة الفورية لمتطلبات العملاء، خاصة في أوقات الأزمات.
تتنافس جهات التصدير الدفاعي على التكلفة والجودة التقنية وتوافر منتجاتهم بقدر تنافسهم على مدى الثقة قيهم والاعتماد عليهم كموردين. وفي عصرنا الحالي، يمر مفهوم الثقة والموثوقية والتنافسية بتحولات كبيرة مع التطور التكنولوجي المتسارع، الشيء الذي يتطلب بالتوازي تسارعاً في وتيرة الابتكار. وتبعاً لذلك، بات لزاماً على المورد الدفاعي المعاصر أن يكون قادراً على التكيف مع أي متغيرات في احتياجات عملائه، وكذلك مع المتغيرات في القدرات التي يكتسبها خصوم هؤلاء العملاء.
وفي عالم يرزح حالياً تحت وطأة التشظي والتمزق، تولي الحكومات اهتماماً متزايداً لتوطين الإنتاج، وتستثمر بكثافة لتوسيع قدراتها الصناعية الدفاعية. وحيث أن ارتفاع الطلب في السوق المحلية لا يكفي وحده لتبرير التكلفة، فإن العديد من الدول تتجه نحو أسواق التصدير لتحقيق التوازن بين الاستقلالية الاستراتيجية والجدوى الاقتصادية.
وقد تتمكن كثير من الدول من بناء قدرات متطورة، إلا أنها لن تتمكن جميعاً من إرساء صناعات دفاعية تنافسية ومستدامة.
فبعض هذه الدول قد يفشل لعدم قدرته على تقديم مستويات الخدمة المتوقعة من جهات التصدير الدفاعي، إذ تحظى المتطلبات الوطنية بالأولوية. فيما قد لا يملك البعض الآخر إمكانية الحصول على بعض العناصر الأساسية اللازمة لبناء وإدامة منظومة دفاعية تنافسية، مثل الكفاءات والتكنولوجيا.
وقد يفشل آخرون لأن السوق سيبلغ حد التشبع.
وعلى الرغم من العالم ظل يشهد، منذ انتهاء الحرب الباردة، سباقاً محموماً نحو إعادة التسلح في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. إلا أن هذا السباق لن يدوم إلى الأبد، وسيصل إلى مرحلة يتراجع فيها الطلب تدريجياً على المبيعات الدفاعية بشكل ملحوظ، بما يعزز فرضية أن النمو المستقبلي لأسواق التصدير الدفاعي سيكون معتمداً على الطلبيات العاجلة أثناء فترات الحروب.
لذا ينبغي أن تشمل القواعد الجديدة للتنافسية الدفاعية القيام بنظرة فاحصة لتحديد القدرات التي يجب إنتاجها في إطار الحفاظ على السيادة الوطنية ، وتلك التي يمكن تطويرها بشكل واقعي للمنافسة على الصعيد الدولي.
كما يتوجب علينا أن نسأل أنفسنا: أين تكمن فرص التصدير بمجرد عودة الطلب إلى مستوياته الطبيعية؟ وهل نمتلك القدرة والرغبة الحقيقية في أن نصبح موردين ذوي خدمات متكاملة وقدرة على منافسة كبار المصدرين الدفاعيين، بكل ما يترتب على ذلك من مسؤوليات إضافية؟ ومن غيرنا يخطط لما نخطط له؟
مجمل القول أن قدرات الإنتاج الإضافي لا تعني بالضرورة توفر قدرات تنافسية مستدامة.وهو درس ينبغي تعلمه بالطريقة السهلة، وإلا فإن أي طريقة أخرى ستكون خطأً باهظ التكلفة.



