العقد الخفي

آراء ووجهات نظر

العقد الخفي

يستعرض الدكتور ناصر حميد النعيمي، الأمين العام لمجلس التوازن للتمكين الدفاعي رؤيته لمسيرة دولة الإمارات في المشتريات الدفاعية والتطوير الصناعي.

عزز عملي في مجال المشتريات الدفاعية قناعة لم أكن أدرك أهميتها بالكامل إلا بعد أن دخلت هذا المجال للمرة الأولى. وفي الحقيقة، هناك جانب كبير من عملنا يدور حول مسائل معتادة مثل المشتريات، ولوائح التصنيع، والعقود، وجداول التسليم، والميزانيات. لكنني سرعان ما أدركت أن النقاشات التي تصوغ القرارات الأكثر أهمية نادراً ما كانت تدور حول أيٍّ من هذه الأمور; بل كانت تتمحور حول شيء لا يمكن العثور عليه في عقد، ولا التحقق منه من خلال الأداء التقني. معظم هذه النقاشات كانت تتمحور حول الثقة.

بعد أن أمضيت معظم حياتي المهنية في الخدمة العسكرية، دخلت مجال المشتريات وأنا أحمل افتراضاً بسيطاً: أن العقود المتينة هي أساس الشراكات الاستراتيجية. فالعقود ضرورية، لكن التجربة علمتني شيئاً مختلفاً. فالعقد يضفي الطابع الرسمي على العلاقة، لكنه لا يحافظ عليها. الثقة هي التي تفعل ذلك.

دخلت مجال المشتريات وأنا أتطلع، في المقام الأول إلى التعمق في عالم التوريد والعمليات المرتبطة به، غير أن أحد أعمق الدروس وأبقاها أثراً في تجربتي كان متعلقاً بالعلاقات الإنسانية؛ بكيفية بنائها، وكيف تنضج مع مرور الوقت، وكيف تسهم، في لحظات عدم اليقين، في رسم مآلات قد يتعذر على أي عقد أن يستشرفها بالكامل.

أصبحت أؤمن بأن كل برنامج دفاعي رئيسي يحقق قيمتين أساسيتين. الأولى ملموسة وواضحة: الطائرة، والرادار، والصاروخ، والسفينة. لكل منها أبعاد ومواصفات، وبروتوكولات اختبار، وتكلفة محددة. أما القيمة الثانية، فهي غير منظورة؛ لا تظهر في الميزانيات ولا في التقييمات الفنية. إنها الثقة الاستراتيجية. وعلى المدى البعيد، كثيراً ما تثبت هذه القيمة غير المرئية أنها الأهم والأكثر تأثيراً. ذلك هو العقد الخفي، وربما يكون أهم عقد نبرمه على الإطلاق.

إذا ما سلمنا بأن الثقة هي العقد الخفي، فكيف نبني هذه الثقة؟ كثيراً ما نتحدث عن الثقة كما لو كانت أمراً فطرياً ينشأ تلقائياً بمرور الوقت. لكنها في الواقع، نادراً ما تكون وليدة المصادفة؛ بل عن قصد، ويتم بناؤها بصبر وتأني، طبقة تلو الأخرى. وبعد الكثير من التفكير في هذا الأمر، رسمت في مخيلتي ما أسميه معمار الثقة". وكأي بناء راسخ، يقوم هذا المعمار على ثلاث ركائز أساسية.

الركيزة الأولى هي الكفاءة: المصداقية التقنية، والموثوقية الصناعية، ومرونة سلاسل الإمداد، والقدرة على استدامة المنظومات وتحديثها لفترة طويلة بعد التسليم. أما الثانية فهي النزاهة: الشفافية عند ظهور المشكلات، والمواءمة الاستراتيجية بين الدول، والسمعة المؤسسية التي تُبنى تدريجياً من خلال السلوك المتّسق. والركيزة الثالثة هي الاستمرارية: الالتزام بالتعلم المستمر، والتواضع اللازم للتكيف، والاستعداد للاستثمار في العلاقات بما يتجاوز حدود البرنامج القائم.

وبعبارة أخرى، الثقة رصيد استراتيجي يتجاوز حدود نجاح البرامج؛ فهي قدرة تُبنى بوعي، وتنمو بالاستثمار، وتترسخ بقيادة تدرك أثرها في تحقيق النتائج واستدامتها.

من السهل الإعجاب بالأفكار عندما تكون الأمور هادئة ومستقرة. لكن الاختبار الحقيقي يأتي حين يتلاشى الاستقرار. فكل برنامج دفاعي رئيسي يواجه، عاجلاً أم آجلاً، لحظات لا يستطيع أي عقد أن يتنبأ بها بالكامل. فقد تضيق سلاسل الإمداد. وتتصاعد التوترات الإقليمية. وتبرز متطلبات عاجلة. وحينها، توضع فاعلية العقد الخفي تحت الاختبار.

وقد كنت شاهداً على ذلك خلال الأزمة الإقليمية الأخيرة. فمع تصاعد الأحداث وأجواء الغموض التي صاحبتها، بدأ هاتفي في الرنين، وتلقيت رسائل عديدة من قيادات في القطاع الصناعي من مختلف الدول، دارت جلها وبشكل لافت حول أمر واحد: "كيف يمكننا المساعدة؟" بل أن بعضهم بحث إمكانية تسريع عمليات التسليم، فيما سعى آخرون إلى إيجاد سبل لإعطاء الأولوية للمتطلبات العاجلة. وكان بعضهم مستعداً للتحرك حتى قبل استكمال جميع التفاصيل التجارية. ولم يكن أي من ذلك مطلوباً بموجب العقد. بل كان ثمرة سنوات من الشراكة.

الأزمات لا تصنع الشراكات؛ بل تكشفها. وعندها يصبح العقد الخفي مرئياً.

الأزمات لا تصنع الشراكات؛ بل تكشفها. وعندها يصبح العقد الخفي مرئياً. أعادت تلك اللحظة تشكيل فهمي للمشتريات. فقد كنت أعتقد أن الاختبار الحاسم هو ما إذا كانت المعدات تُسلَّم في الوقت المحدد ووفق المواصفات. أما اليوم، فأرى أن هناك اختباراً أعمق: ماذا يحدث عندما تصبح الظروف صعبة؟ هل يتراجع الشركاء خلف لغة العقود، أم يتقدمون لحل المشكلات معاً؟ لا يمكن قياس هذا الفارق كمياً في بطاقة تقييم. ومع ذلك، فقد يكون أهم مؤشر على الإطلاق على وجود شراكة استراتيجية.

فالضغوط لا تبني الثقة بين عشية وضحاها؛ بل تكشف ببساطة عما كان موجوداً بالفعل. وهنا تحديداً يثبت العقد الخفي قيمته.

دعوني أقر أيضاً بحقيقة أكثر صعوبة: الثقة لا تعني غياب المصالح المتباينة. فالأولويات الوطنية قد تتغير. وتظهر قيود على التصدير. وتتطور الحسابات الاستراتيجية. ولا تكمن قيمة العقد الخفي في أنه يمنع هذه التوترات؛ فهو لا يستطيع ذلك. لكنه يفتح قناة لإدارتها بصراحة، من دون الدخول في دهاليز المواجهات القانونية. وحين تكون الثقة حاضرة، يصبح الاختلاف مشكلةً تستدعي الحل، لا إخلالاً يستدعي التقاضي.

وهذه الثقة ذاتها، حين تثبت قدرتها على الصمود في أوقات الأزمات، تعيد تشكيل نظرتنا إلى مسار التطوير الصناعي. ففي دولة الإمارات، تطورت منظومة المشتريات تدريجياً لتتجاوز مفهوم التوريد إلى دور أوسع في التمكين الوطني؛ فأصبحت رافداً لتعزيز الجاهزية العملياتية الراهنة، وبناء المرونة الصناعية التي تستند إليها قدراتنا في المستقبل. ومن هذا المنطلق، يتجاوز طموحنا مجرد الحصول على قدرات متقدمة، ليرتكز على هدف أوسع: أن يترك كل برنامج دفاعي رئيسي وراءه منظومة وطنية أكثر قوة وقدرة وجاهزية مما كانت عليه عند انطلاقه.

تعتقد دول كثيرة أنها تشتري منصات. لكن الاستثمار الأبقى، في حقيقة الأمر، هو الثقة. فالطائرات، والسفن، والصواريخ، وأنظمة الرادار، سيأتي وقت تُستبدل فيه جميعها. وستتطور التكنولوجيا. وستتغير التهديدات. وحتى أكثر قدرات اليوم تقدماً ستصبح، في نهاية المطاف، من منظومات الأمس.

أما الشراكات التي تدوم، فأمرها مختلف. فهي تُبنى بصبر على أساس الكفاءة، وتتعزز بالنزاهة، وتدوم بالثقة. ذلك هو العقد الخفي. فهو لا يتم التفاوض عليه حول الطاولة، ولا يُوقَّع بالحبر، بل يتم اكتسابه قراراً بعد قرار.

كثيراً ما نقيس المشتريات بأطنان الفولاذ، وكيلومترات المدى، وميغاواط الرادار. لكن المقياس الحقيقي للشراكة الاستراتيجية يتجلى بصورة مختلفة. فعندما يرن الهاتف في الثانية صباحاً خلال أزمة، لا يطلب أي طرف الاطلاع على العقد.

بل يسأل عن الشريك.

وفي تلك اللحظة، يصبح العقد الخفي مرئياً من جديد.

شارك