
عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى قوة فاعلة
إذا لم تتمكن الجيوش من تحقيق قدر كافٍ من امتلاك هذه الأنظمة والسيطرة عليها، فستظل ميزة القرار محدودة.
باتت الجيوش تنقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى الاستخدام العملياتي. فالطائرات غير المأهولة والمركبات السطحية غير المأهولة أصبحت قادرة على الملاحة وتحديد الأهداف وتنفيذ سلسلة الاشتباك في ساحة المعركة. وتكشف الأمثلة الأخيرة من الحرب في أوكرانيا أن المنصات ذاتية التحكم المنخفضة التكلفة، كالطائرات المسيّرة بعيدة المدى، باتت تهيمن على مسار الحرب وتُرغم الطرفين على التنافس من خلال الابتكار. ويشير التحول في طبيعة الحرب إلى مستقبل تصبح فيه الأنظمة ذاتية التحكم محور القوة العسكرية. ومع اتساع هذه القدرات، ستتفوق الجيوش التي تحقق التفوق في اتخاذ القرار أو ميزة القرار على سواها.
غير أن امتلاك القدرات المستقلة أو ذاتية التحكم وحده لا يكفي لتحقيق ميزة القرار في الحرب الحديثة؛ فهذه الميزة تعتمد أيضاً على مدى قدرة الجيوش على إدماج الذكاء الاصطناعي في هياكل القيادة نفسها. ومن هنا، تسعى الجيوش الحديثة إلى تقليص زمن اتخاذ القرار في الأزمات، ما يمنحها قدرة أكبر على تحديد وتيرة العمليات وإدارة التصعيد. يجسد نظام القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة لجميع المجالات (CJADC2) في الولايات المتحدة هذا التوجه؛ إذ يعمل على ربط أجهزة الاستشعار ومنظومات القيادة عبر المجالات البرية والجوية والبحرية والفضائية والسيبرانية. والغاية هي تمكين القوات المسلحة الأمريكية من توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لمعالجة كميات ضخمة من المعلومات، ومن ثم تسريع دورة اتخاذ القرار من قبل القائد. ويقدم "مشروع مايفن" التابع لوزارة الدفاع الأميركية مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن أن تتطور بها تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتتوسع لتشمل مجالات متعددة. فقد بدأ المشروع استجابةً لحاجة محددة تتمثل في توظيف تقنيات التعلم الآلي لتحليل الصور ومقاطع الفيديو كاملة الحركة، بما يساعد على مواكبة الكم المتزايد من الصور واللقطات التي تنتجها الطائرات المسيّرة. ومع تطور المشروع، تجاوز استخدامه هذه المهمة الأولية ليشمل تطبيقات أخرى، من بينها دعم عمليات الاستهداف، والتخطيط اللوجستي، والتنبؤ باحتياجات الإمداد. ومن شأن جمع هذه الكميات الكبيرة من المعلومات وتحويلها إلى صورة عملياتية موحدة أن يتيح للقادة الوصول إلى المعلومات ذات الصلة بصورة أسرع، بما قد يسهم في تقليص دورة اتخاذ القرار وتسريعها.
ومع ظهور الذكاء الاصطناعي الوكيلي، بات تحقيق هذه الأهداف أكثر واقعية. إذ أصبحت الأنظمة قادرة على تقسيم المشكلة إلى مهام أصغر، واستخدام الأدوات الرقمية، والتواصل مع وكلاء آخرين، وتنفيذ الإجراءات عبر مختلف مراحل سير العمل. فعلى سبيل المثال، يمكن لوكيل للعمليات العسكرية أن يستقي المعلومات الاستخباراتية من مصادر متعددة، بدءاً من التقارير الميدانية ووصولاً إلى الاستخبارات الإشارية، وأن يضع مسارات عمل محتملة، ويقارن المتطلبات اللوجستية، ويحدد القيود القانونية، ويحدّث توصياته مع ورود معلومات جديدة.
غير أن هذه الطموحات تصطدم بشرط لا غنى عنه: السيادة. فلا يمكن للجيوش أن تمضي في توظيف الذكاء الاصطناعي عسكرياً من دونها؛ وإذا لم تتمكن من تحقيق قدر كافٍ من امتلاك هذه الأنظمة والسيطرة عليها، فستظل ميزة القرار محدودة.
والسيادة هنا لا تتحقق بمجرد امتلاك تكنولوجيا متقدمة. فالذكاء الاصطناعي العسكري السيادي يقوم على منظومة متكاملة: مؤسسة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي، وهياكل أركانية يعاد تشكيلها لاستيعابه، وعقائد عسكرية تواكب التكامل بين الإنسان والآلة، وقدرة حوسبية تكفي لتشغيل أنظمته. ويضاف إلى ذلك امتلاك بيانات وطنية متخصصة، ومعايير تقييم تقيس ما إذا كانت هذه الأنظمة ترتقي بالفعل بالحكم العسكري.
وتقوم السيادة في الذكاء الاصطناعي العسكري على ركائز عدة، أولها قدرة المؤسسة العسكرية على التكيف. وهنا تبدأ المسألة بتحديد حدود الصلاحيات: ما الذي يمكن تفويضه إلى الذكاء الاصطناعي؟ وما القرارات التي تظل مرهونة بموافقة بشرية؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأ أحد الوكلاء؟ فالاستقلالية، في جوهرها، تُقاس بمقدار الصلاحية الممنوحة للنظام.
ومن هذا المنطلق، لا بد أن تتيح الهياكل الأركانية المستقبلية أنماطاً جديدة لتدفق المعلومات بين الوحدات، وأن تعيد رسم العلاقة بين القادة والآلات. وسيجد ضباط الأركان أنفسهم، على نحو متزايد، أمام أدوار جديدة: الإشراف على سير عمل الذكاء الاصطناعي، ومساءلة توصيات الآلة، والتدخل حين تتجاوز الأنظمة حدود الصلاحيات الممنوحة لها. ومن ثم، ينبغي أن تُهيّأ الهياكل الأركانية لتمكين التكامل بين الإنسان والآلة، وأن تحدد المفاهيم والعقائد المستقبلية، بوضوح، نطاق الصلاحيات التي يمكن منحها لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
وثاني هذه الركائز الاختبار والتقييم، اللذان يشكلان عنصراً أساسياً في عملية التكيف هذه. فإعادة تشكيل الهياكل الأركانية والعقائد العسكرية ينبغي أن تتضمن أطراً مناسبة للاختبار والتقييم، بما يساعد على ضمان بقاء الأسس المعرفية ونماذج العالم لأنظمة الذكاء الاصطناعي متوافقة مع أولويات المؤسسة. كما يتعين تحديث هذه الأنظمة بانتظام حتى تواكب تغير البيئات العملياتية.
أما التقييم المعياري، فهو ممارسة راسخة بالفعل في مجال الذكاء الاصطناعي، ويمكن تطبيقه كذلك على الذكاء الاصطناعي العسكري. غير أن المعايير القائمة تقيس في معظمها قدرات مثل البرمجة والرياضيات والاستدلال العام، ولا تخبرنا إلا بالقليل عن قدرة النموذج على فهم قصد القائد، أو كشف الخداع، أو مراجعة تقدير سابق، أو الالتزام بقانون النزاعات المسلحة، أو الربط بين الأفعال التكتيكية والأهداف الاستراتيجية. ولهذا، ينبغي أن تختبر المعايير العسكرية الأنظمة في سيناريوهات واقعية، وأن تقيس جودة القرار وسرعته، وعدم اليقين، والامتثال القانوني، والقدرة على التكيف.
وينطبق المبدأ نفسه على البيانات، فالذكاء الاصطناعي العسكري لا بد أن يتعلم من معلومات تعكس العقيدة الوطنية، والجغرافيا، وهيكل القوات، والمتطلبات الاستخباراتية، والمهام المرجح تنفيذها. أما النماذج التي يُعتمد في تدريبها أساساً على البيانات العامة المتاحة عبر الإنترنت، فلا يمكن توقع أن تستوعب الاحتياجات العملياتية الخاصة بكل دولة.
ولهذا، ينبغي ألا يقتصر اختبار النماذج وتقييمها معيارياً على مجموعات الاختبار العالمية العامة، بل يجب أن يشمل مجموعات بيانات مصممة خصيصاً للسياق المعني. وهذا يعني أن على كل دولة ومؤسسة عسكرية تطوير مجموعات البيانات اللازمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها وتقييمها. ومن هنا تبرز أهمية البنية التحتية السيادية للبيانات، التي ينبغي أن تمكّن الجيوش من جمع المعلومات المرتبطة بمهامها وتصنيفها وتأمينها وتحديثها، مع الاحتفاظ بالسيطرة على من يملك حق الوصول إليها.
وأخيراً، لا تكتمل السيادة من دون وصول مستقر إلى القدرة الحوسبية اللازمة لاستدلال الذكاء الاصطناعي. فالأنظمة الحديثة القائمة على الذكاء الاصطناعي الفاعل تعتمد على بنية تحتية حوسبية كبيرة تتيح معالجة البيانات على نطاق واسع. وأي جيش يعتمد كلياً على مزودي الخدمات السحابية الخارجيين، أو مراكز البيانات الأجنبية، أو الدعم الفني عن بُعد، قد يجد نفسه في أوقات الأزمات محروماً من الوصول إلى قدرات حيوية. ومن ثم، يتعين على الجيوش الحديثة أن تضمن وصولاً مستقراً إلى القدرة الحوسبية لفترات ممتدة.
ولا تعني السيادة أن على كل دولة أن تبني نموذجاً للذكاء الاصطناعي عند حدود التطور التقني. لكنها تعني امتلاك قدرة وطنية كافية لتشغيل الأنظمة الحيوية للمهام وتكييفها، وتأمين البيانات والسجلات الحساسة عندما تتدهور الاتصالات الخارجية أو يتعذر الوصول إليها.
فمستقبل الذكاء الاصطناعي العسكري مرهون بالسيادة. وتحقيقها يتطلب عملاً مدروساً لإعادة تشكيل الهياكل الأركانية ومنظومات القيادة والسيطرة، وإدماج القدرات المستقلة في مسارات اتخاذ القرار، وبناء هياكل سيادية للبيانات والاختبار والتقييم، إلى جانب ضمان وصول مستقر إلى البنية التحتية الحوسبية. وعندئذ، تصبح ميزة القرار عاملاً حاسماً في الردع زمن السلم، وفي إدارة الأزمات زمن الحرب.



