
ما بعد المنصات: بناء القوة الهجينة
سيكون التفوق العسكري في المستقبل رهناً بالقدرة على دمج التقييم والحكم البشري مع المنصات المأهولة وغير المأهولة، والبيانات، والشبكات، وهياكل القيادة، والقدرات الصناعية ضمن منظومة قتالية متكاملة، قادرة على التكيّف بوتيرة تفوق سرعة الخصم
لن يكون مستقبل القوة العسكرية رهناً بالمفاضلة بين الجندي والآلة، وإنما بقدرتها على الجمع بين المنصات المأهولة والأنظمة الذاتية المستقلة في منظومة تعمل بكفاءة وتكامل. وقد جاءت النزاعات الأخيرة لتجعل هذه الحقيقة أكثر وضوحاً.
لقد غيّرت التكنولوجيا المعادلة القائمة بين الكلفة والقوة في ساحة المعركة. فأنظمة منخفضة التكلفة باتت قادرة على اكتشاف منصات باهظة الثمن وتعقبها ومهاجمتها، فيما يمكن تكييف التكنولوجيا التجارية للاستخدام العسكري في غضون أسابيع، وربط معدات لم تُصمَّم أصلاً للعمل معاً بفضل البرمجيات. وفي البحر، أتاح الجمع بين المركبات غير المأهولة والصواريخ والأنظمة الجوية والحرب الإلكترونية تحقيق تأثيرات كانت في السابق ترتبط حصراً بالأساطيل التقليدية. ولم يكن وراء ذلك كله منصة حاسمة واحدة. بل عملية تكامل.
ومع ذلك، قد لا يعني هذا أن المعدات المتقدمة فقدت أهميتها، بل هي لا تزال تحافظ على مكانتها، لكنها لم تعد كافية وحدها. فالميزة ستكون من نصيب القوة الأقدر على ربط قدراتها، وتفويض الصلاحيات، والتكيف بوتيرة أسرع. ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى القوة الهجينة باعتبارها قوة تقليدية أضيفت إليها الطائرات المسيّرة؛ فهي منظومة قتالية واحدة تجمع الأفراد والمنصات المأهولة والأنظمة غير المأهولة وأجهزة الاستشعار والبرمجيات والشبكات والتأثيرات المشتركة والقدرة الصناعية. أما التحدي الحقيقي، فهو يعد تنظيمياً في المقام الأول. فالتكنولوجيا، في كثير من الأحيان، هي الجزء الأسهل.
فعلى مدى عقود، اعتادت القوات المسلحة أن تبني قدراتها من خلال أفرعها المختلفة، ومنصاتها، ومشروعات الاستحواذ. وقد ينجح كل مسار من هذه المسارات في إنتاج معدات فعّالة، لكن اجتماع معدات فعّالة لا يصنع، بالضرورة، قوة فعّالة. ومن هنا، ينبغي أن يبدأ تصميم القوة الهجينة انطلاقاً من المشكلات التشغيلية نفسها، ومن التأثيرات المطلوبة لمعالجتها. وهذا يقتضي تحولاً جوهرياً: من امتلاك المنصات إلى تحقيق الميزة على مستوى المنظومة ككل.

وتتجلى هذه الميزة في المنصة القادرة على الاستفادة من معلومات تردها من مستشعرات أخرى، وإحالة الأهداف إلى السلاح الأنسب للتعامل معها، والاستفادة من الحماية التي يوفرها مجال عملياتي آخر، ومواصلة العمل حتى عند تعطل الشبكة. فمثل هذه المنصة أكثر فاعلية من أخرى لا تفعل سوى أن تستشعر وتتواصل وتشتبك بمفردها.
تُجسّد البحرية الملكية هذا النهج من خلال ست وظائف رئيسية: الاستشعار، واتخاذ القرار، وإحداث الأثر، والربط، والاستضافة، والتمكين. وتوزّع القوة الهجينة هذه الوظائف عبر منظومة متكاملة من الأنظمة المأهولة وغير المأهولة، بما يعزز مرونة القوة وقدرتها على تنفيذ المهام ضمن بيئة عملياتية متغيرة.
وهذا في جوهره تغيير في تصميم القوة، لا مجرد تغيير في تشكيل الأسطول. فالتكامل لا يمكن أن يأتي لاحقاً، بعد اكتمال تصميم القوة، بل يجب أن يكون المبدأ الذي يُبنى عليه هذا التصميم منذ البداية. ويتطلب ذلك جملة من التحولات:
• من التنظيمات الثابتة إلى قوات نمطية مرنة، تُبنى حول متطلبات المهمة.
• من التركيز على المنصات إلى التركيز على التأثيرات.
• من التنسيق المتتابع بين أفرع القوات المسلحة إلى التكامل المشترك متعدد المجالات.
• من السيطرة المركزية على المعلومات إلى التنفيذ الموزع.
من التحديث الدوري إلى التكيف المستمر.
ولا يتمثل الهدف في الاستغناء عن القدرات المأهولة أو الثقيلة أو مرتفعة التكلفة التي أثبتت مكانتها؛ فكثير منها لا يزال ضرورياً. وإنما دمجها ضمن منظومة أوسع يساهم في توسيع نطاق العمل، وتعزيز الحماية، والحدّ من التعرض للمخاطر حين لا تقتضي الضرورة ذلك.
ففي هذا التصور، لم تعد المركبة المدرعة أو السفينة أو الطائرة، بل حتى الجندي نفسه، مجرد منصة أو مستخدم للمعدات. فكل منها يمثل عقدة متصلة بالشبكة، قادرة على الاستشعار واتخاذ القرار وتبادل المعلومات وحمل الأنظمة والإسهام في تحقيق تأثيرات منسقة.
وغالباً ما ينحصر النقاش حول الاستقلالية في موقع الإنسان ضمن حلقة القرار: هل يكون داخلها أم مشرفاً عليها؟ لكن اختزال المسألة في ذلك يضيّق نطاقها أكثر مما ينبغي. فالأسئلة الحقيقية أعمق: من يحدد الغاية؟ ومن يقرر مستوى المخاطر المقبول؟ ومن يملك صلاحية استخدام القوة؟ وكم نظاماً يستطيع شخص واحد الإشراف عليه؟ ثم ماذا يحدث إذا تعطلت الشبكة، أو أخطأت الآلة؟
يستطيع الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات، واكتشاف الأنماط، واقتراح مسارات للعمل بسرعة تفوق ما يمكن لطاقم بشري إنجازه. كما تستطيع الأنظمة الذاتية المستقلة التنقل والبحث والمراقبة وتنفيذ المهام الخطرة من دون تحكم بشري مستمر. لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في إحلال الآلة محل الإنسان في اتخاذ القرار، بل في تسريع التحليل والتنسيق. ومن هنا، يصبح المبدأ واضحاً: قيادة بشرية، تمكّنها الآلات، وتحكمها صلاحيات محددة بوضوح.
ولا تقتضي السيطرة البشرية أن يتولى الشخص قيادة كل طائرة غير مأهولة، أو أن يجيز كل قرار يتعلق بمسار حركتها؛ فذلك يهدر ما توفره الاستقلالية من سرعة واتساع في نطاق العمل. فالدور البشري ينبغي أن يتركز في تحديد الغاية، وفهم السياق، وتقدير المخاطر، والاعتبارات الأخلاقية، وتحمل المسؤولية.
وتختلف درجة التدخل باختلاف المهمة. فالمركبة اللوجستية التي تسير على طريق آمن لا تستدعي مستوى التدخل الذي قد يتطلبه سلاح يبحث عن هدف في منطقة مأهولة. ولا بد أن تراعي العقيدة العسكرية وصلاحيات القيادة هذا الفارق.
قد يقدم الذكاء الاصطناعي إجابة خاطئة بثقة تامة. كما يمكن تضليل أجهزة الاستشعار، وإفساد البيانات، والتشويش على الاتصالات. أما الأنظمة المستقلة، فقد تتصرف على نحو غير متوقع عندما تعمل خارج الافتراضات التي صُممت على أساسها.

ولا بد أن تكون القوة قادرة على مساءلة التوصيات التي تنتجها الآلة، ومواصلة العمل من دونها. وتظل مسؤولية استخدام القوة على عاتق القادة، وهو ما ينبغي أن ترسخه العقيدة العسكرية والتدريب قبل وقوع أي حادث، لا بعده.
ومن هنا، ستزداد أهمية القيادة البشرية للمهمة، لا العكس. فالعمليات الموزعة تحتاج إلى قادة ميدانيين يفهمون قصد القائد، ويملكون القدرة على التصرف عند انقطاع الاتصال بالقيادات الأعلى. فالآلات التي تفوق الإنسان سرعة لا تلغي الحاجة إلى التقدير البشري، بل تزيد العبء الواقع عليه.
ومن أولى المسائل التي تطرحها عملية تصميم القوة: أين ينبغي أن تتمركز القدرات المستقلة؟ فثمة نموذج يضع الطائرات المسيّرة مباشرة في متناول الوحدات التكتيكية، لتوظيفها في الاستطلاع والهجوم والحرب الإلكترونية والدعم اللوجستي. وفي المقابل، يجمع نموذج آخر الأفراد المتخصصين والأنظمة في جهة واحدة تتولى التطوير والتدريب والاعتماد والصيانة والدعم العملياتي. والحاجة قائمة إلى النموذجين معاً، لكن ترتيب تطبيقهما مهم.
أما القدرات الجديدة والمعقدة، فالأجدى أن تبدأ مركّزة في أيدٍ متخصصة، حيث يمكن بناء الخبرة التقنية، ووضع معايير السلامة والتشغيل، وتطوير العقيدة العسكرية، وضبط التهيئة. وحين تترسخ هذه الأسس، يمكن نقل القدرات إلى التشكيلات التي تحتاج إليها. وتجربة أوكرانيا كاشفة في هذا الصدد. فقد اضطرتها ظروف الحرب إلى توزيع المعدات قبل أن تنضج المؤسسات اللازمة لدعمها. وأكسب ذلك وحدات الخطوط الأمامية سرعة وقدرة على التكيف في وقت لم يكن الانتظار فيه خياراً، لكنه خلّف في المقابل تدريباً مجزأً، وأنظمة غير متوافقة، وضعفاً في ضبط التهيئة. والدرس هنا أن نضاهي أوكرانيا في سرعة التكيف، من دون أن نتخلى عن بناء الاتساق المؤسسي الذي لم تمهلها الحرب وقتاً لإرسائه.
والحل هو أن تظل الخبرات مركّزة، فيما يتسع الوصول إلى القدرات على المستوى العملياتي. فالجهات المتخصصة تتولى تطوير القدرات ودمجها واعتمادها، بينما تدعم التشكيلاتَ فرقٌ تُشكَّل وفق متطلبات المهمة، وتحتفظ الوحدات التكتيكية بالأنظمة الشائعة التي تستخدمها يومياً. أما الخبرات النادرة والقدرات المعقدة، فتبقى ضمن تجمعات متخصصة، وتُخصص بحسب متطلبات كل مهمة.
وينطبق الأمر نفسه على التأثيرات متعددة المجالات. فليس ضرورياً أن يمتلك كل تشكيل جميع القدرات، لكن يجب أن يكون قادراً على الوصول إلى التأثيرات التي يحتاج إليها بالسرعة التي تفرضها العمليات. ومن شأن ذلك أن يتيح تشكيلات أصغر وأكثر انتشاراً، لكنها أبعد مدى وأشد فتكاً. غير أن هذا لا يعني قوة أقل تكلفة؛ فتلك التشكيلات تحتاج إلى كوادر أعلى كفاءة، واتصالات أكثر متانة، ودعم تقني أعمق، وتدريب أشد تطلباً. وقد تقلل التكنولوجيا الحاجة إلى الأفراد في بعض المجالات، لكنها تخلق احتياجات جديدة في البرمجيات والبيانات والصيانة والحرب الإلكترونية وتكامل المنظومات.
ويفرض هذا الانتشار بدوره أعباءً أكبر على الإدامة. فالبطاريات والمكونات وتحديثات البرمجيات وهياكل الطائرات البديلة وقدرات الإصلاح، كلها تتحول إلى متطلبات عملياتية لا غنى عنها. فالقوة التي تستطيع إطلاق مئات الأنظمة، لكنها تعجز عن صيانتها أو تعويض ما تفقده منها بالسرعة اللازمة، لا تملك كتلة قتالية يمكن استدامتها.
غير أن توزيع القوة لا يحقق ميزته ما لم تصاحبه رؤية عملياتية مشتركة؛ فإذا عمل كل فرع من أفرع القوات المسلحة، وكل منصة، وكل جهة، وفق تصور منفصل للمعركة، كان مصير العمليات الهجينة الفشل. ولذلك، تحتاج القوة إلى فهم عملياتي مشترك، وبيانات قابلة للتشغيل البيني، وعلاقات قيادة واضحة، وقدرة على دمج التأثيرات ضمن الوقت المتاح. ولا يعني ذلك جمع جميع الجهات تحت قيادة واحدة؛ فأفرع القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والجهات المدنية والمؤسسات الوطنية تظل محتفظة بمسؤولياتها القانونية وتسلسلاتها القيادية. وإنما المطلوب هو إنذار مشترك، وتخطيط موحد، وصلاحيات متفق عليها، وإيقاع عملياتي منضبط. فالتكامل لا يعني أن تمتلك مؤسسة واحدة بقية المؤسسات أو تهيمن عليها، بل أن ترتبط هذه الجهات بما يمكّنها من العمل معاً تحت الضغط.
تمثل البنية الرقمية محوراً أساسياً في بناء القوة الحديثة. وتتطلب المنظومة الدفاعية بيئة رقمية موحدة تتيح التكامل بين البيانات والذكاء الاصطناعي وأنظمة القيادة والسيطرة، وتضمن تبادل المعلومات بسلاسة وأمان. ويستدعي ذلك بناء بنية رقمية مترابطة، تُصمم وتُدار وتخضع لمعايير الحوكمة والضمان على مستوى المؤسسة. كما يتطلب نجاحها اعتماد معايير موحدة، وواجهات آمنة، وبيانات قابلة للتشغيل البيني، وأطر واضحة للملكية والمسؤولية عبر مختلف مكونات القوة.
وتتضاعف أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. فالتسابق على إدخال أدوات متفرقة إلى الخدمة من دون تنسيق سيقود إلى ازدواجية الجهود، وبيانات غير متوافقة، وتفاوت في مستويات الضمان، بما يقوض التشغيل البيني ومسار التحول نفسه. ومن ثم، لا بد أن يتقدم الذكاء الاصطناعي بالسرعة المناسبة، ولكن ضمن بنية موحدة، وحوكمة مشتركة، وقاعدة بيانات يتشاركها الجميع.
وهذا يفرض بدوره إعادة النظر في مفهوم الجاهزية. فالمقاييس التقليدية للجاهزية تظل ضرورية، لكنها لم تعد كافية؛ إذ إن توافر الوحدات والأطقم والمنصات لا يكشف ما إذا كانت القوة الهجينة قادرة بالفعل على العمل كمنظومة واحدة.
وقد يبدو التشكيل، وفق المقاييس التقليدية، في مستوى عالٍ من الجاهزية؛ فالمعدات متاحة، لكن البرمجيات قد تكون قديمة، وروابط البيانات غير متوافقة، والمشغلون غير معتمدين، والبصمة الإلكترونية يسهل رصدها. بعبارة أخرى: قد يكون التشكيل جاهزاً على الورق، أما في ساحة القتال فليس كذلك.
لذلك، ينبغي على اختبارات جاهزية القوة الهجينة أن تقيس ما هو أبعد من مجرد توافر المعدات، وأن تشمل:
التشغيل البيني للبيانات والشبكات.
التكامل بين الإنسان والآلة.
الاستهداف والتأثيرات عبر المجالات المختلفة.
العمل تحت الهجوم الإلكتروني وعند فقدان الاتصال بالشبكة.
إعادة تشكيل القوات النمطية بسرعة.
الإصلاح والاستبدال ودعم البرمجيات.
اتخاذ القرار بين الجهات العسكرية والمؤسسات الوطنية ذات الصلة.
القدرة على الاعتراض على توصيات الآلة وتجاوزها عند الضرورة
القوة لا تُختبر جاهزيتها على مستوى كل منصة على حدة بل ينبغي اختبارها كمنظومة قتالية كاملة. وثمة مقياس أصعب للقدرة على التكيف: كم يستغرق الانتقال من لحظة ما تكشفه ساحة المعركة من نقاط ضعف إلى إجراء التصحيح المطلوب ميدانياً؟ قد يتعلق ذلك بتحديث البرمجيات، أو باستبدال مستشعر، أو بتعديل في التكتيك، أو بإجراء مضاد، أو بتغيير في الصلاحيات. فالمقياس الحقيقي هنا هو سرعة الانتقال من الملاحظة إلى التصحيح.
وإذا امتد ذلك لسنوات، وصل الحل متأخراً. وإذا كان الخصم أسرع في اكتشاف نقطة الضعف، وتطوير الرد عليها، واستخدامه في الميدان، فسوف تتلاشى الميزة التقنية المفترضة.
ولا قيمة حقيقية لاختبارات الجاهزية إذا كانت تجري في ظروف مثالية. لذا ينبغي أن تتضمن تمارين الاختبار التضليل، والمواقف الحرجة مثل انقطاع الاتصالات، والتوصيات الخاطئة التي تصدرها الآلة، واحتمال الخسائر الكبيرة في المعدات، وربما إتاحة الفرصة للقوة المقابلة لأن تتكيف بدورها. وحيثما كان إشراك الصناعة والشركاء التقنيين في الاختبار يختصر دورة التعلم، ينبغي أن يكونوا جزءاً من هذه العملية. فالجاهزية لا تعني بالضرورة غياب الفشل، بل هي القدرة على تحديد سبب أي فشل محتمل أو فعلي، والتعلم منه، وتصحيحه قبل أن يجد الخصم فرصة لاستغلاله.
ومن جهة أخرى، ينبغي تغيير نمط التفكير في مجال المشتريات والاستحواذ، إذ إن شراء الطائرات والسفن والأنظمة الاستراتيجية عملية معقدة طويلة الأجل. أما شراء الطائرات المسيّرة، وأنظمة مكافحتها، ومعدات الحرب الإلكترونية، وأجهزة الاستشعار، والبرمجيات، فتعمل وفق دورة مختلفة. لذا، لا ينبغي أن تتم عمليتي الشراء ضمن الإجراءات ذاتها، لأن الكثير من هذه المعدات سيصبح، عند الحصول عليها، متقادماً قبل أن يدخل الخدمة.
وهنا لا بد من العمل بسرعتين مختلفتين. الأولى تناسب المنصات الرئيسية، حيث تفرض متطلبات السلامة والتكامل وطول العمر التشغيلي اختبارات موسعة ودقيقة ومطولة. أما الثانية، فهي للتقنيات التي لا تحتمل دورات التطوير الطويلة، بل يجب تطويرها واختبارها وإدخالها إلى الخدمة خلال أشهر، إن لم يكن أسابيع.
وهنا، ينبغي أن يعمل المشغلون والمهندسون وفرق المشتريات والصناعة معاً لمعالجة المشكلات التشغيلية. فلا يمكن أن تظل المتطلبات ثابتة فيما تتغير التهديدات والتكنولوجيا. ومن ثم، يجب أن تصبح دورات التطوير القصيرة، والاختبارات الميدانية، والتغذية الراجعة السريعة ممارسة معتادة.
يتطلب بناء القوة المستقبلية شراكة استراتيجية متكاملة مع الصناعة الوطنية، تُسهم من خلالها في تطوير القدرات، ودعم الجاهزية، وتعزيز المرونة والاستدامة عبر مختلف مراحل دورة القدرة الدفاعية. ولا يعني ذلك التخفيف من متطلبات المساءلة، بل إشراك الصناعة منذ المراحل الأولى، ووضع المشكلات التشغيلية أمامها، واعتماد معايير مفتوحة، والحكم على النتائج في ظروف واقعية. فالقدرة السيادية لا تتحقق بمجرد تجميع تصميم أجنبي محلياً؛ وإنما تقوم على امتلاك السيطرة على البيانات والواجهات والبرمجيات، ومعرفة التكامل بين الأنظمة، وسلاسل الإمداد، والقدرة على إصلاح الأنظمة وتعديلها من دون الحاجة إلى إذن خارجي.
ولا تكتمل هذه المعادلة من دون القدرة على تعويض ما يُفقد في القتال. فالأنظمة القابلة للاستهلاك تتطلب مخزوناً كافياً، وخطوط إنتاج قادرة على تعويض الخسائر. وما يكتسب هنا أهمية استثنائية في دولة الإمارات هو رؤية مجلس التوازن في المواءمة بين المتطلبات الوطنية والقدرات الصناعية والنتائج بعيدة المدى. فالاتساق المؤسسي هو ما يحدد سرعة استجابة مؤسسات الدفاع والصناعة والبحث العلمي. وفي عصر القوة الهجينة، لم تعد الجاهزية تقتصر على ما تملكه الدولة عند بدء القتال، بل تشمل أيضاً ما تستطيع تعديله وتصنيعه وتعويضه أثناءه.
في ضوء هذه المعطيات، يتعين على القيادات الدفاعية الاستعداد لستة متطلبات أساسية. يأتي في مقدمتها بناء بنية متكاملة للربط والتشغيل البيني تسبق اقتناء أساطيل من الأنظمة المنفصلة. كما يجب إرساء المعايير المشتركة، وتحديد ملكية البيانات، وتنظيم علاقات القيادة والصلاحيات منذ المراحل الأولى، بما يضمن عمل مختلف مكونات القوة ضمن منظومة موحدة ومترابطة.
وثانيها إعادة تصميم القوات حول المهام والتأثيرات المطلوبة. فالمنصات المأهولة والأنظمة غير المأهولة ينبغي أن تعمل ضمن تشكيلات مرنة نمطية التشكيل، لا أن تُضاف ببساطة إلى هياكل موروثة من دون أن يتغير أسلوب قتالها.
أما الثالث، فهو الاستثمار في العنصر البشري بالجدية نفسها التي نستثمر بها في التكنولوجيا. فالقوة تحتاج إلى قادة ومشغلين ومهندسين وفنيي صيانة ومتخصصين في البيانات وخبراء في الاستحواذ، يفهمون المنظومة ككل. ومن ثم، ينبغي أن تعمل منظومات التوظيف والتدريب والتعليم والتطوير المهني على بناء المعرفة التقنية، والفهم العابر للمجالات، والقدرة على التكيف اللازمة لتشغيل قوة متكاملة وإدامتها وتطويرها.
ورابعها تفويض الصلاحيات ضمن حدود واضحة؛ فالعمليات الهجينة ستتحرك بوتيرة أسرع من أن تسمح بإحالة كل قرار إلى مقر قيادة مركزي.
وخامسها أن يصبح الاختبار والتجريب جزءاً من عملية بناء القوة القتالية. فالاختبار بمختلف أشكاله، واختبارات "الفريق الأحمر" لاكتشاف الثغرات والتكيف لا ينبغي أن تظل أنشطة متفرقة تُمارس من حين إلى آخر بعيداً عن القوة التشغيلية.
أما السادس، فهو إعداد القاعدة الصناعية للصمود على امتداد الصراع. فالأيام الأولى من القتال ستستهلك الأنظمة والذخائر والمكونات بمعدلات غالباً ما تقلل الخطط الموضوعة في زمن السلم من تقديرها.
وقبل كل شيء، يبقى التحدي الأهم أن يبني القادة القدرة على التكيف في صميم مؤسساتهم. فلا ينبغي أن نصمم قوة لمجرد محاكاة ما ينجح في صراعات اليوم، ولا حتى لما نتوقع أن ينجح في الصراع المقبل.
فحين تصبح تلك القوة جاهزة فعلياً، ستكون التكنولوجيا والإجراءات المضادة قد سبقتها إلى مرحلة جديدة. لذلك، ليست غاية التحول الوصول إلى تصميم نهائي للقوة، بل بناء قوة قادرة على أن تتغير باستمرار
فالقوة الهجينة لم تعد تصوراً للمستقبل؛ فملامحها بدأت تتشكل بالفعل. وستظل المنصات المأهولة عنصراً أساسياً فيها، لكنها ستعمل ضمن منظومة أكثر توزيعاً، تضم أجهزة الاستشعار والأنظمة المستقلة والبرمجيات والشبكات والتأثيرات المشتركة.
المعركة الفاصلة لن تكون بين الإنسان والآلة. ستكون بين قوات تستطيع التكامل والتكيف، وقوات لا تستطيع. وهذا يستلزم عقلية تسري في القوة من قمتها إلى قاعدتها. فالقدرات ينبغي أن تُبنى وتُوظَّف بما يخدم فاعلية القوة كاملة، لا أن يحميها كل طرف على حدى باعتبارها مجالات مؤسسية منفصلة.
وهنا، قبل أي شيء، تبدأ مسؤولية القيادة العليا. فالتحول سيكون محكوماً بالفشل إذا انشغل كل قائد بالدفاع عن ميزانيته أو منصاته أو مصالح مؤسسته. وعلى القيادات العليا أن تتصرف كفريق واحد، وترسم اتجاهاً مشتركاً، وتتحمل مجتمعةً مسؤولية القوة التي ستنبثق عن هذا التحول.
فالتكنولوجيا ستواصل تقدمها بوتيرة سريعة، بينما سيظل التغيير المؤسساتي أكثر صعوبة. ومن هنا، لا بد أن تتحرك صلاحيات القيادة والعقيدة العسكرية والتدريب والمشتريات والعلاقة مع الصناعة بالوتيرة نفسها.
وفي نهاية المطاف، لن يكون النجاح حليف القوة التي تحشد أكبر عدد من المنصات، ولا التي تمتلك النظام المنفرد الأكثر تطوراً. بل سيكون حليف القوة التي تنجح في صهر التقييم والتقدير البشري مع سرعة الآلة، والعمل الموزع، والقدرة الصناعية في منظومة قتالية واحدة متماسكة. فالتكامل هو القدرة. والتكيف هو الميزة.



