الطيران العسكري: حين يصبح الصياد طريدة

ملفات المستقبل

الطيران العسكري: حين يصبح الصياد طريدة

صمود سلاح الطيران في عصر المخاطر الجديدة

على مدى عقود، كرس قطاع الطيران العسكري جهوداً استثنائية لحماية الطائرات من التهديدات التي كنا نفهمها أكثر من غيرها. وتعلّمنا اكتشاف الصواريخ الموجّهة بالرادار، وطوّرنا مستقبِلات الإنذار، والتدابير الإلكترونية المضادة، والمشاعل الحرارية، والرقائق المعدنية المضللة، ومنظومات حماية ذاتية متزايدة التطور. وأصبح صمود الطائرات تخصصاً هندسياً قائماً على مبدأ مألوف: قم بفهم التهديد، واكتشفه مبكراً بما يكفي، وتصدَّ له قبل أن يصل إلى الطائرة. لكن ساحة المعركة تتغير بوتيرة أسرع مما تستطيع بعض تلك الافتراضات مواكبته.

اليوم، تستطيع طائرة صغيرة غير مأهولة التحليق على ارتفاع منخفض بين التضاريس والعوائق الحضرية، والاقتراب من اتجاهات غير متوقعة، والعمل باستقلالية متزايدة، بل وفي بعض الحالات، مطاردة طائرة أخرى بنفسها. وهكذا، قد يصبح الصياد الآن الطريدة.

ذلك أن اقتصاديات هذا التهديد وهندسته وأطره الزمنية تختلف اختلافاً جوهرياً؛ فالمنظومة غير المأهولة منخفضة التكلفة نسبياً لا تحتاج إلى تدمير طائرة في اشتباك جوي تقليدي كي تحقق أثراً عملياتياً. ويكفي أن تهدد طائرة مروحية أثناء التحليق الثابت أو الهبوط، أو تجبرها على المناورة تفادياً لها، أو تلحق الضرر بأنظمتها المكشوفة، أو تخلق خطر الاصطدام. ومع تزايد السرعة والاستقلالية وتطور التوجيه المنسق للمسارات، قد نصل إلى مرحلة تهاجم فيها عدة أنظمة غير مأهولة الطائرات من اتجاهات مختلفة في آن واحد.

فلم يعد السؤال هو ما إذا كانت الطائرات غير المأهولة ستصبح تحدياً أمام صمود الطائرات. فهي الآن كذلك بالفعل. والسؤال الأهم، هو ما إذا كان تفكيرنا في حماية الطائرات قادراً على التطور بالسرعة نفسها التي يتطور بها التهديد.

غالباً ما يكون رد الفعل الغريزي إزاء تهديد جديد هو البحث عن سلاح جديد. ربما ليزر. أو موجات ميكروية عالية القدرة. أو صاروخ اعتراضي. غير أنني، بعد النظر عن كثب في تحدي مكافحة الأنظمة الجوية غير المأهولة من الجو، أرى أن هذا التصور لا يقدم الصورة كاملة.

قد لا يكمن التحدي الأصعب، في نهاية المطاف، في القوة النارية، بل في الوقت. فقبل أن تتمكن أي منظومة دفاعية من تحييد طائرة مسيّرة، لا بد للطائرة أولاً من اكتشافها. ثم مطابقة مسارها، وتصنيفها، واتخاذ قرار بالاشتباك معها، وتوجيه المنظومة الدفاعية نحوها، وأخيراً الاشتباك مع التهديد.

"اكتشاف الهدف.. تثبيت موقعه.. ثم تحييده."

وأمام هدف صغير سريع الحركة، يظهر على مسافة قريبة من بين التضاريس أو العوائق المحيطة، تنضغط كل تلك الخطوات في نافذة زمنية بالغة الضيق. فطائرة مسيّرة تتحرك بسرعة تقارب 600 كيلومتر في الساعة تقطع مسافة 10 كيلومترات في نحو دقيقة واحدة، وإذا كانت على بُعد كيلومترين فقط، فقد لا يفصلها عن الطائرة سوى نحو 12 ثانية وهذه الثواني الاثنتا عشرة تمثل كامل الهامش الزمني المتاح للطائرة لاستكمال دورة الاستجابة بجميع مراحلها وقراراتها.

ومن هنا، تظل قيمة أي سلاح قادر على تحييد الهدف محدودة، ما لم تتمكن الطائرة، ضمن النافذة الزمنية المتاحة، من اكتشافه وتصنيفه، وتتبعه، وصولاً إلى اتخاذ قرار الاشتباك، وتوجيه منظومة الدفاع للتعامل معه. ولذلك، قد يعتمد صمود الطائرة على سرعة اتخاذ القرار بقدر اعتماده على قوة السلاح.

فمن بين هذه الخيارات، تبدو أشعة الليزر عالية الطاقة جذابة لأسباب مفهومة. فبمجرد اكتشاف الهدف وتتبعه وتثبيت التصويب عليه، يصل شعاع الليزر بسرعة الضوء، ويمكن تركيز طاقته بدقة كبيرة. غير أن تحييد الهدف يستلزم عادةً إبقاء الشعاع مسلطاً على نقطة الضعف في الهدف لوقت كافٍ، في حين قد تكون الطائرة نفسها تناور. وثمة عوامل أخرى لا يمكن إغفالها، كالطقس والاهتزاز والمعطيات الهندسية للاشتباك؛ فضلاً عن أن الشعاع الواحد لا يستطيع عادةً التعامل إلا مع نقطة تصويب واحدة في كل مرة.

وثمة جانب آخر ينبغي أخذه في الحسبان، وهو الطائرة ذاتها. فالليزر من فئة الأسلحة يحتاج إلى الطاقة، وتخزينها، والتبريد، والدعم الهيكلي؛ وكل ذلك يضيف وزناً وحجماً ومقاومة هوائية وحرارة إلى الطائرة. ومن ثم، لا يقتصر السؤال الهندسي على ما إذا كان الليزر قادراً على تحييد الطائرة المسيّرة، بل يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع الطائرة حمل المنظومة اللازمة لتحييد هذا التهديد، وفي الوقت نفسه مواصلة أداء مهمتها؟

أما أنظمة المايكرويف عالية القدرة، فتطرح مقاربة مختلفة؛ إذ تتيح تغطية نطاق أوسع، مع إمكانية الاشتباك مع عدة أنظمة غير مأهولة قابلة لهذا النوع من التأثيرات في الوقت نفسه. غير أن بعض المسيرات قد تكون مزودة بإلكترونيات معززة لمقاومة هذه التأثيرات، فيما تزخر الطائرة المدافعة نفسها بإلكترونيات حساسة تتطلب الحماية من منظومة الدفاع التي تستخدمها. وهكذا، تأتي كل ميزة تقنية مصحوبة بتحدياتها وكلفتها الخاصة.

ومع ذلك، يظل من المغري تصور أن التطور التقني سيقودنا، في نهاية المطاف، إلى حاضن واحد يمكن ببساطة تثبيته على أي طائرة، فيحل المشكلة برمتها. وقد أطلقت على هذا التصور اسم Panacea Pod، أي الحاضنة الدفاعية الشاملة.

لكن مثل هذا الحل الشامل لا وجود له اليوم، ولا ينبغي أن نتوقع أن تحتاج جميع الطائرات إلى الحل نفسه. فالطائرات الكبيرة ثابتة الجناحين، والطائرات الخفيفة، والمروحيات، تختلف اختلافاً كبيراً في هوامش ما تتيحه من طاقة وحمولة وقدرات تبريد، فضلاً عن اختلاف خصائصها الهندسية. ومن هنا، فإن المفاضلة بين الليزر وموجات المايكروويف ليست هي السؤال الصحيح.

والأجدى أن نسأل: أي مزيج من قدرات الاستشعار، والمعالجة، واتخاذ القرار، ووسائل التأثير يمنح هذه الطائرة أفضل فرصة لإتمام مهمتها في بيئة التهديد التي تعمل فيها؟

وقد يكون الليزر جزءاً من الإجابة في بعض الحالات، وقد تكون موجات المايكرويف عالية القدرة (HPM) هي الأنسب في حالات أخرى، أو ربما تكون وسيلة اعتراض. فالأرجح أن تقوم البنية المستقبلية على طبقات متكاملة وحلول معيارية، بدلاً من البحث عن حل واحد يصلح للجميع.

ومن ثم، لا يمكن أن يقوم حل المستقبل على مجرد إضافة سلاح جديد إلى بنية صمود قديمة؛ بل لا بد أن تتطور قدرات الاستشعار والمعالجة والأتمتة ووسائل التأثير معاً، وفي إطار متكامل. وثمة مبدأ أضعه فوق أي اعتبار تقني: غاية صمود الطائرة ليست مجرد الحفاظ عليها، وإنما تمكينها من إنجاز مهمتها.

فكل كيلوغرام يُضاف من المعدات الدفاعية، وكل واط من الطاقة يُستهلك، وكل زيادة في مقاومة الهواء، تأتي على حساب الحمولة والمدى ومدة البقاء في الجو والقدرة القتالية. وقد نصل، عند حد معين، إلى أن نوفر للطائرة من الحماية ما يثقلها إلى درجة تقوّض الغاية التي أُرسلت من أجلها إلى ساحة المعركة. ذلك ليس صموداً. بل هو فشلٌ للمهمة من طريق آخر.

ومن ثم، ينبغي أن يكون المعيار الحقيقي للنجاح هو الصمود مع استمرار المهمة. ولا شك أن التطور التقني سيعيد رسم حدود هذه الموازنة؛ فستصبح المستشعرات أصغر حجماً وأكثر قدرة، وسيعمل الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل على اختصار دورة الرصد والتحديد والحسم، فيما ستغدو أنظمة الطاقة الموجّهة أخف وزناً وأكثر كفاءة. كما أن التقدم في تخزين الطاقة والإدارة الحرارية قد يجعل، في المستقبل، القدرات قابلة للتطبيق عملياً، في حين تعجز كثير من الطائرات عن استيعابها اليوم.

لكن ثمة مسار آخر قد يكون ممكناً. فلعل الخطوة التالية هي أن نتوقف عن النظر إلى صمود الطائرات باعتباره قدرة يجب أن تتمركز بالكامل داخل الطائرة نفسها. إذ يمكن، على نحو متزايد، إسناد بعض قدرات الاستشعار والمعالجة ووسائل التأثير الدفاعي إلى منصات أخرى تعمل ضمن المنظومة القتالية ذاتها. وهنا يبرز نموذج مختلف: الصمود الموزّع.

وهكذا، لا تعود الحماية خاصية تقتصر على طائرة بعينها، بل تصبح خاصية لفريق متكامل؛ يضم منصات مأهولة وغير مأهولة، ومستشعرات موزّعة، وقدرات معالجة ذاتية، ووسائل تأثير متعددة تعمل جميعها في تكامل. وبدلاً من أن نظل نسأل عن مقدار ما يمكن إضافته من وسائل حماية إلى طائرة واحدة، قد يصبح السؤال على نحو متزايد: كيف نوزّع قدرات الصمود على امتداد القوة بأكملها؟

لطالما كان تاريخ الطيران العسكري تاريخاً من التكيف المستمر؛ فكل تطور أفرز إجراءً مضاداً، وكل إجراء مضاد قاد بدوره إلى تكيف جديد. واليوم، تعمل الأنظمة غير المأهولة على تسريع هذه الدورة. ومن ثم، فإن ما نشهده ليس مجرد سباق بين الأسلحة، بل سباق بين منحنيات التعلم.

و قد لا تكون الغلبة في هذا السباق لمن يمتلك أقوى أشعة الليزر أو أشد نبضات الموجات الميكروية، بل لمن يتعلم أسرع كيف يربط بين الاستشعار والقرارات ووسائل التأثير والمنصات، ضمن بنية متكاملة للصمود تتطور بالسرعة نفسها التي يتطور بها التهديد.

فعلى مدى أجيال، صُممت الطائرات العسكرية، في معظمها، لحماية نفسها من الأسلحة التي تُطلق ضدها. أما اليوم، فنحن ندخل عصراً قد يصبح فيه السلاح نفسه هو من يطارد الطائرة. وحين يصبح الصياد هو الطريدة، لا بد من إعادة تصور مفهوم الصمود؛ فلا يعود متمحوراً حول الطائرة وحدها، بل حول الفريق الذي يُبقيها في قلب المعركة.

شارك