البقاء في القمة

آراء ووجهات نظر

البقاء في القمة

مستقبل الدفاع سيتشكل لا بالتقنيات منفردة، بل بقدرة المنظومات المحيطة بها على التكييف

عندما أطلقنا فورسايت، كان طموحنا في ظاهره بسيطاً: ألّا نكتفي برصد ما يجري في قطاع الدفاع والأمن، بل أن نفتح مساحةً يلتقي فيها أهل الميدان وقادة الصناعة وأصحاب الفكر، لتمتد أنظارهم إلى ما هو أبعد من التحولات التي نشهدها اليوم، ونتساءل عمّا قد تعنيه هذه التحولات في الغد.

لقي عددنا الافتتاحي استجابة كريمة ومشجعة. فقد تلقّينا من القرّاء والزملاء، ومن القيادات في مختلف أوساط المنظومة الدفاعية، آراء ثَرَّة؛ منها ما توقف عند الأفكار التي طرحناها، ومنها ما دعانا إلى المضي أبعد. وكان مبعث اعتزازي، أكثر من كلمات الثناء، ما أطلقه العدد الأول من حوارات وما فتحه من نقاشات. ومع هذا التشجيع، يرتفع سقف التوقعات.

هذا العدد الثاني هو جوابنا. فعلى امتداد صفحاته، يقارب كتّابنا المساهمون المستقبل من زوايا شديدة التباين: من تبدّل طبيعة القوة، ومكامن الضعف في منصات كانت مهيمنة في السابق، إلى الذكاء الاصطناعي وميدان المعركة الاصطناعي، والعمق الصناعي، والكتلة المتاحة، وصولاً إلى ظهور منافسين جدد في سوق الدفاع العالمية.

لكنني، عند النظر في مجمل هذه الإسهامات، وجدت قاسماً مشتركاً يجري في ثناياها: لكل ميزة تاريخ انتهاء.

فالقدرة أو الميزة متى انكشفت رُصدت. ومتى ما رُصدت دُرست. وما دُرس، أمكن تطوير ما يواجهه. والتقنية تمضي بوتيرة أسرع، والدروس العملياتية تبلغ حدوداً أبعد، بينما أصبحت المسافة بين الابتكار ومحاكاته تزداد ضيقاً.

ففي بيئةٍ كهذه، لا يُقاس التفوق الدفاعي بمن يملك أكثر المنصات تطوراً أو أرقى التقنيات في لحظةٍ بعينها فحسب. بل بات، أكثر فأكثر، رهيناً بمن يقدر على أن يتعلم ويتكيف وينتج ويكامل ويجدّد قدراته بوتيرة تسبق قدرة الآخرين على مواجهتها. وهذا يغير طبيعة النقاش.

وهذا يقتضي أن نوسع نظرتنا إلى ما وراء المنصات، لنرى المنظومة المتكاملة التي تقف خلف كلٍّ منها: من العقول التي تتصورها، والبحوث التي تتيح تطويرها، والصناعات التي تتولى إنتاجها، والمؤسسات التي تقتنيها، إلى المشغّلين الذين يختبرونها في ظروف واقعية. والأهم من ذلك، قدرة هذه المكونات جميعاً على التعلم بعضها من بعض.

كما يذكّرنا ذلك بأن التنافسية الدفاعية، في جوهرها، تتجاوز حدود التقنية. فللقدرة الصناعية وزن. وللكفاءات وزن. ولسرعة الإنتاج وحجمه وزن. ولمتانة سلاسل الإمداد وزن. أما الثقة بين الدول وقواتها المسلحة وشركائها الصناعيين، فوزنها أعمق وأبقى.

لا تقدّم مقالات هذا العدد وصفة واحدة، ولا ينبغي لها. نحن أطلقنا فورسايت لتشجيع الرؤى المتبصرة، بما فيها ما يتحدى المسلمات الراسخة. غير أنّ ما تُظهره مجتمعةً هو أنّ مستقبل الدفاع سيتشكل، على نحوٍ متزايد، لا بالتقنيات منفردة، بل بقدرة المنظومات المحيطة بها على التكيف.

ولعلّ المنافسة الحاسمة في السنوات المقبلة لن تكون بين منصات بعينها أو شركات، بل ولا حتى بين التقنيات. إنما هي بين منظومات قادرة على التعلّم؛ بين دول ومؤسسات تدرك متى تبدأ ميزة تنافسية أو تفوّقٌ ما في التراجع، فتصنع تفوّقها التالي قبل أن تفرضه عليها الظروف.

إلى كتّابنا: شكراً لأنكم نقلتم على هذه الصفحات خبراتكم وأفكاركم، والأهم، استعدادكم لتحدّي أنماط التفكير المألوفة والسائدة. وإلى كلّ من قرأ عددنا الأول وشاركه وتفاعل معه: شكراً لأنكم أسهمتم في أن تبدأ فورسايت الحوار الذي رجوناه لها.

لقد رفعتم السقف. ونعتزم أن نواصل رفعه معكم.

وآمل أن يمنحكم هذا العدد معرفةً أوسع، وأن يدفعكم إلى مساءلة بعض المسلّمات، وأن يمنحكم، قبل كل شيء، سبباً للنظر إلى ما وراء ما يفرضه الحاضر.

مرحباً بكم من جديد في فورسايت.

شارك