
العمق الصناعي
لماذا تتطلب تنافسية المنظومات الصناعية الدفاعية وجود الشركات الرئيسية والمتخصصة معاً؟
لا تستطيع أي شركة دفاعية أو شركة مصنّعة للمعدات الأصلية (OEM) أن تبني طائرة قتالية حديثة بمفردها. فالطائرة المقاتلة الواحدة تضم نحو نصف مليون مكوّن منفرد، تنتجها شبكة من المصنّعين المتخصصين ومطوري البرمجيات ومهندسي الدقة وعلماء المواد.
ومع ذلك، لا تزال النقاشات حول التنافسية الدفاعية تركز في المقام الأول على الشركات التي تتصدر الهرم الصناعي، بينما يتعين أن يتجه الاهتمام، على نحو متزايد، إلى ما يقع تحتها.
تحتاج المنظومة الصناعية الدفاعية التنافسية إلى الشركات الوطنية الرائدة بقدر حاجتها إلى الشركات المتخصصة. فالشركات الوطنية الرائدة توفر القوة المالية والموارد الهندسية والقدرة على إدارة البرامج اللازمة لقيادة مشروعات معقدة تمتد لسنوات وتُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات. أما الشركات المتخصصة، فتضيف الخبرات النوعية والمرونة والعمق التقني التي تتيح لهذه البرامج، وللمنظومة الأوسع المحيطة بها، أن تتطور. ومن ثم، لا يمكن قياس قوة القاعدة الصناعية الدفاعية بمجرد النظر إلى حجم أكبر شركاتها؛ فهي تعتمد أيضاً على ما يوجد تحت هذه الشركات وما يحيط بها.
وقد بدأت حكومات حول العالم تستثمر في هذه النوعية من الشركات المتخصصة، عبر آليات وسياسات مختلفة، لكنها تصب في هدف واحد: تعزيز المنظومات الصناعية التي تقوم عليها القدرات الدفاعية الوطنية.
ففي الولايات المتحدة، كانت الشركات الصغيرة تشكّل 73% من الشركات المتعاملة مع وزارة الدفاع في عام 2021. ومع ذلك، كان عدد الشركات الصغيرة المشاركة في القاعدة الصناعية الدفاعية قد تراجع بأكثر من 40% خلال العقد السابق، وهو تراجع دفع البنتاغون إلى التعامل مع إعادة بناء قاعدة الموردين كأولوية استراتيجية، لا اقتصادية فحسب.
وفي المملكة المتحدة، يتخذ التوجه طابعاً منهجياً مماثلاً؛ إذ تنفق وزارة الدفاع حالياً نحو 5 مليارات جنيه إسترليني سنوياً مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتزمت برفع هذا الرقم إلى 7.5 مليارات جنيه سنوياً بحلول عام 2028، على أن يصل نحو ثلاثة أرباع هذا الإنفاق إلى تلك المؤسسات بصورة غير مباشرة عبر سلسلة التوريد الأوسع.
وعلى امتداد أوروبا، يمضي التحول نفسه؛ إذ جعل صندوق الدفاع الأوروبي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة جزءاً من استراتيجية القارة للابتكار الدفاعي. وبين عامي 2021 و2023، مثّلت هذه المؤسسات 43% من إجمالي الجهات المشاركة في المشروعات الممولة، وحصلت على نحو خُمس إجمالي التمويل، فيما يشجع البرنامج الشركات المتخصصة والمؤسسات البحثية وشركات الدفاع الكبرى على التعاون عبر الحدود.
تُبنى القدرة العسكرية، على نحو متزايد، على قوة المنظومة التي تقوم عليها.

ويكشف الصعود السريع لشركات مثل "هيلسنغ" (Helsing) عن أهمية هذا النهج. فمنذ تأسيسها في عام 2021، سرعان ما رسخت شركة تكنولوجيا الدفاع الأوروبية هذه مكانتها كواحدة من أبرز الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في القارة، واختارت العمل بالشراكة مع الحكومات والقوات المسلحة والمصنّعين العريقين بدلاً من منافستهم مباشرة. وتدمج برمجيات هيلسنغ الذكاء الاصطناعي في المنصات العسكرية القائمة، وذلك في نموذج يوضح كيف تستطيع شركات التكنولوجيا المتخصصة تسريع تطوير القدرات من دون أن تضطر الدول إلى استبدال منظومات كاملة. وبدلاً من إنشاء صناعة دفاعية موازية، تعمل شركات شبيهة بهيلسنغ على تعزيز الصناعة القائمة بالفعل.
ورغم اختلاف التجارب من دولة إلى أخرى، فإنها تشير إلى اتجاه واحد: التنافسية الدفاعية باتت تُفهم، على نحو متزايد، باعتبارها نتاجاً للمنظومة ككل، وليس لشركة فحسب.
لكن السياسات الحكومية ليست سوى جانب واحد من الصورة؛ فالقدرات الصناعية لا يتم تعزيزها بالسياسات وحدها، بل تستند أيضاً على الكيفية التي تتطور بها الصناعة نفسها. وفي هذا السياق، تعيد كبرى شركات الدفاع العالمية صياغة علاقاتها بالموردين المتخصصين. فبعد عقود كانت تُعامل فيها الشركات الأصغر كمجرد موردين، بات يُنظر إليهم ، على نحو متزايد، كشركاء استراتيجيين ومصادر للابتكار.
وتجسد "آر تي إكس" (RTX) إحدى أكبر شركات الطيران والدفاع في العالم، هذا التحول عملياً؛ إذ تتعامل مع عشرات الآلاف من الموردين عبر عملياتها العالمية، وتستثمر بكثافة في تطوير الموردين وجاهزية التصنيع والتعاون الرقمي، انطلاقاً من إدراكها أن قوة برامجها نفسها تعتمد على متانة الشبكة التي تدعمها. ومن أوجه عديدة، باتت المنظومة الصناعية الدفاعية اليوم أقرب إلى قطاع التكنولوجيا منها إلى نموذج التصنيع التقليدي؛ فالشركات الكبرى تتولى قيادة البرامج وتكامل المنظومات والوصول إلى الأسواق العالمية، فيما توفر الشركات المتخصصة البرمجيات والذكاء الاصطناعي وتقنيات التصنيع والخبرات الهندسية التي تمكّن تلك البرامج من التطور بوتيرة أسرع من منافسيها.

ومع تنامي دور الشركات المتخصصة، تظل الشركات الوطنية الرائدة ركناً لا غنى عنه في هذه المنظومة. فدورها يتجاوز التصنيع بكثير؛ إذ تستثمر في البحث والتطوير، وتحافظ على منشآت الإنتاج، وتدير الشراكات الدولية، وتتعامل مع البيئات التنظيمية والتصديرية المعقدة، بما يمنح الحكومات الثقة في إمكانية تنفيذ البرامج الحيوية على نطاق واسع واستدامتها طوال عمرها التشغيلي. كما تفتح هذه الشركات أبواب الأسواق الدولية؛ فعلاقاتها مع العملاء حول العالم تتيح فرصاً تصديرية يصعب على الموردين الأصغر الوصول إليها بمفردهم، وعندما تُباع منصة رئيسية في الأسواق الدولية، يمكن لمئات الشركات المتخصصة أن تستفيد عبر سلسلة التوريد الأوسع.
لكن الحجم وحده لا يصنع التنافسية. فالشركات المتخصصة تقدم قدرات لا تستطيع المؤسسات الكبرى في كثير من الأحيان تكرارها؛ إذ يمنحها حجمها الأصغر القدرة على الاستجابة سريعاً للمتطلبات المستجدة، واستكشاف تقنيات جديدة، وتركيز الكفاءات في تخصصات هندسية شديدة الدقة. كما أن كثيراً من الابتكارات الرائدة تنشأ داخل الشركات المتخصصة، قبل أن تنتقل إلى البرامج والمنصات الأكبر وتصبح جزءاً منها. ولذلك، فإن الشركات الوطنية الرائدة والشركات المتخصصة على السواء جزء لا يتجزأ من الإنتاج الدفاعي السيادي. والتحدي أمام أي منظومة صناعية دفاعية هو أن تلبي احتياجات القوات المسلحة للدولة وأن تستبقها في الوقت نفسه؛ باستدامة الإنتاج، والاستجابة في أوقات الأزمات، وتقليص المسافة بين تحديد الحاجة ووضع الحل في الميدان.
وإذا كان بناء هذه الطبقة المتخصصة هدفاً استراتيجياً، فإن شركات مثل "سندان" (Sindan) تقدم نموذجاً عملياً لما يعنيه ذلك. تأسست الشركة عام 2023 من قبل مجلس التوازن للتمكين الدفاعي، وهي تتخصص في التصنيع الإضافي المدعوم بالذكاء الاصطناعي والأتمتة الصناعية، بما يضيف إلى القاعدة الصناعية في دولة الإمارات قدرات من الجيل الجديد في مجال التصنيع الدقيق. وبدلاً من منافسة المقاولين الرئيسيين الكبار، تعمل سندان على تعزيز قدراتهم، من خلال توفير خبرات متخصصة تتيح للبرامج الأكبر أن تتطور بوتيرة أسرع، وأن تستجيب بفاعلية أكبر للمتطلبات العملياتية الناشئة.
يقول هيوان هوانغ، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة سندان المتخصصة في الطباعة ثلاثية الأبعاد: "نعمل عن كثب مع شركائنا، لأنهم بحاجة إلى فهمنا، مثلما نحتاج نحن إلى فهم منصاتهم ومنظوماتهم". ويشير هوانغ إلى أن العملية تبدأ بفهم ما يسعى العميل تحديداً إلى تحقيقه، بدلاً من الاكتفاء بما يطلب تصنيعه في البداية. ويضيف: "أحياناً يقولون شيئاً بينما يقصدون شيئاً آخر، لأنهم لا يألفون كافة جوانب الطباعة ثلاثية الأبعاد، ولذلك علينا أن نشرحها لهم". المسألة في جوهرها تتعلق بحل المشكلات؛ فالطباعة ثلاثية الأبعاد ليست سوى جزء من المعادلة، وليست كل المعادلة.

ويكتسب ذلك المزيج من الدقة والمرونة والسرعة أهمية متزايدة. فالقدرة الدفاعية الحديثة لم تعد تتحدد فقط بمن يستطيع تصميم المنصة الأكثر تقدماً، بل على نحو متزايد، بالقدرة على تحسين المكونات وتكييفها وتصنيعها بالسرعة التي تفرضها المتطلبات العملياتية. ويوضح هوانغ: "نستطيع تطوير المنتج وتحسينه بسرعة، عبر دورات متتابعة، بما يلبي احتياجات الصناعة".
وفي هذا العام، دخلت سندان أيضاً في شراكة مع "ليب 71" (LEAP 71)، ومقرها دبي، وذلك من أجل التطوير والتصنيع المشترك لمحركات نفاثة تسحب الهواء الجوي ومنظومات طرد فضائية تجمع بين نموذج الهندسة الحسابية المسمى بـ "نويرون" (Noyron) الذي طورته ليب 71، وبين تقنيات سندان للتصنيع المدعوم بالذكاء الاصطناعي، مما يختصر المدة اللازمة للتصميم والتطوير من سنوات إلى أسابيع. وتكشف هذه الشراكة عن سمة أخرى للمنظومات الصناعية الدفاعية التنافسية؛ فالشركات المتخصصة باتت تبتكر، على نحو متزايد، ليس بالتعاون مع المقاولين الرئيسيين فحسب، بل وأيضاً فيما بينها، مستفيدة من تكامل خبراتها لتسريع انتقال القدرات الجديدة من الفكرة إلى الإنتاج، قبل أن تصبح جزءاً من برامج دفاعية أكبر.
وفي المحصلة، لا تُقاس القدرة الصناعية بعدد الشركات التي تضمها المنظومة، بل بجودة الروابط التي تجمع بينها. ومع ازدياد التكامل بين البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والمواد المتقدمة والتصنيع الإضافي، ستؤول الميزة التنافسية، على نحو متزايد، إلى المنظومات الأقدر على جمع القدرات المتخصصة وتكاملها بوتيرة أسرع من منافسيها.
على مدى عقود، انصبّ جانب كبير من النقاش حول القدرات الصناعية على الحجم: ميزانيات أكبر، وبرامج أضخم، ومقاولون رئيسيون أكبر حجماً. لكن الأدلة تشير، على نحو متزايد، إلى اتجاه آخر. فالقدرات الدفاعية الحديثة لم تعد تُبنى حصراً داخل أسوار عدد محدود من الشركات الكبرى، بل عبر شبكات مترابطة تضم المصنّعين، ومطوري البرمجيات، والمتخصصين في الذكاء الاصطناعي، وعلماء المواد، وخبراء الطرد النفاث، وشركات الهندسة الدقيقة؛ إذ إن قدراتها مجتمعة هي التي تحدد مدى سرعة المنظومة في الابتكار والتكيف والتعافي.
إذا كان الردع يُبنى على القدرات العسكرية، فإن هذه القدرات باتت تُبنى، على نحو متزايد، على قوة المنظومة التي تستند إليها. وهذا هو العمق الصناعي.
ففي هذا النهج، تظل الشركات الوطنية الرائدة عنصراً لا غنى عنه؛ فهي تتولى تكامل المنظومات وإدارة البرامج، وتوفر الحضور العالمي. غير أن نجاحها بات يعتمد، على نحو متزايد، على قوة المنظومة المحيطة بها. ومن هنا، لن يكون قادة الصناعة الدفاعية في المستقبل هم القادرين على بناء أكبر المنصات فحسب، بل القادرين على تنسيق أوسع شبكات الخبرات وقيادتها، وتحويل الأفكار بسرعة إلى قدرات جاهزة للاستخدام العملياتي.
فأقوى المنظومات الصناعية الدفاعية ليست تلك التي تضم أكبر الشركات الوطنية الرائدة، بل المنظومات ذات الجذور الأعمق.



