
الهندسة الخفية لقطاعات الدفاع
العمق الصناعي لا يتشكل من تلقاء نفسه، بل يتطلب سنوات من الدقيق
يقول مثل عسكري قديم إن الفارق بين الفوضى والسيطرة في ساحة المعركة تحسمه اللوجستيات. وعلى مدى معظم العقود الثلاثة الماضية، كانت التنافسية الدفاعية تُقاس بما هو ظاهر للعيان: طائرة مقاتلة، أو المدى الذي يجتازه صاروخ، أو حجم أسطول. أما كل ما يقف خلف هذه المنصات، فكان يُعامل بوصفه تفصيلاً ثانوياً. غير أن النزاعات الأخيرة حول العالم أثبتت خطأ هذه النظرة.
امتلاك أحدث التجهيزات لم يعد كافياً لتجنّب مشكلات لم تكن في الحسبان؛ فقد وجدت جيوش جيدة التجهيز نفسها عاجزة عن إنتاج الذخائر ووسائل الاعتراض أو تعويضها بالسرعة التي تفرضها العمليات. ولم يكن الخلل وليد قرار خاطئ واحد، بل حصيلة سنوات طويلة تُركت خلالها الطاقة الإنتاجية المحلية تتراجع قبل أن يبدأ الصراع. والمفارقة أن هذا الضعف لم يكن مجهولاً في عديد من الحالات؛ ما غاب كان إدراك الحاجة الملحّة إلى معالجته، وما يلزم لذلك من تمويل ووقت. وهنا تكمن المعضلة: سدّ فجوة صناعية يستغرق سنوات، أما الأزمة فقد تندلع في غضون أسابيع.
ولم تكن هذه أزمة دولة واحدة أخفقت في التخطيط؛ فحتى أكثر المؤسسات الدفاعية تمويلاً في العالم قد واجهت المشكلة ذاتها. ومع استمرار العمليات العسكرية واحتدامها، تعرضت مخزونات الذخائر ووسائل الاعتراض لضغوط لم تكن متوقعة. غير أن جذور المشكلة كانت أعمق من ذلك؛ كانت بنيوية في الأساس. فقد أدت عقود من اندماج شركات القطاع الصناعي إلى تقلّص عدد الموردين القادرين على إنتاج المكونات والتجميعات الفرعية والقطع المتخصصة التي يعتمد عليها المقاولون الرئيسيون. وهكذا، نادراً ما كانت المشكلة في حجم الميزانيات؛ بل في عمق قاعدة الإمداد التي تقف خلفها.
لكن وراء هذا الخلل تكمن مشكلة أكبر. فكثير من المواد التي تدخل في صناعة الأسلحة الحديثة (من المعادن والعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في أنظمة التوجيه والمستشعرات والرادارات) لا يأتي إلا من عدد محدود جداً من الدول، ولا تتوافر له بدائل كثيرة. وهنا تكمن المفارقة: قد تصمّم دولة منظومة سلاح وتنتجها وتجمعها بالكامل على أراضيها، ومع ذلك تبقى معتمدة كلياً على مورّد أجنبي واحد لتوفير مادة لا يعمل السلاح من دونها. وهكذا، تظل سيطرة الدولة على أسلحتها رهناً بأضعف حلقة في سلسلة إمدادها. وحتى وقت قريب، لم تكن معظم المؤسسات الدفاعية قد حددت حتى أين تكمن تلك الحلقة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: إمكانات قد تبدو قوية في ظاهرها، بينما تكون في حقيقتها قائمة على أساس هش لا تراه العين. فالدول التي تتقدم اليوم في المجال العسكري ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أحدث المعدات، وإنما تلك التي بادرت، قبل غيرها، إلى طرح السؤال الأصعب: وهو ليس ما نحن قادرين على صنعه، بل ما سيكون عليه الحال إذا تعذر علينا فجأة الحصول على ما نحتاج إليه من مواد لصنعه؟
العمق الصناعي لا ينشأ من تلقاء نفسه. لن يتواجد مورّد للقطع المطلوبة، أو منشأة متخصصة للاختبارات، أو معمل لمعالجة المواد، فور ما رغبت دولة ما في ذلك. بل هي تنشأ بفضل ما يوفر لها البيئة التي تجعل تأسيسها ونموها خياراً مجدياً، مالياً واستراتيجياً. وهذا لا يتحقق بحسن النوايا وحده، بل بتخطيط مدروس ومقصود.
تمثل التجربة الإماراتية في هذا السياق نموذجاً مهماً للمنطقة؛ إذ تركز استراتيجية مجلس التوازن لتمكين الصناعات الدفاعية (TDIES) على أهمية الانتقال من عملية المشتريات فحسب، إلى توفير حوافز منظمة ومهيكلة من شأنها جعل الاستثمار المحلي مجدياً وجاذباً بالفعل. كما تشترط العقود، بصورة متزايدة، نسباً محددة من المحتوى المحلي؛ بما يتيح للموردين المحليين التعويل على طلب مستقر ومتنامٍ، بدلاً من التنافس على فرص متفرقة لا توفر أساساً يمكن بناء استثمارات طويلة الأمد عليه. ومن ناحية أخرى، يساعد التمويل والاستثمار المشترك المصنّعين على تحمّل كلفة بناء قدرات متخصصة في جوانب حساسة، ربما لم يكن الاستثمار فيها مجدياً تجارياً لولا هذا الدعم.
وفي الوقت ذاته، تضمن برامج التدريب وتطوير الكفاءات أن يثمر هذا الاستثمار معرفة هندسية حقيقية، لا أن يقتصر أثره على أعمال التجميع. ثم تأتي المنصات الصناعية الوطنية والمعارض التجارية لتربط الموردين المحليين الأصغر حجماً مباشرة بكبار المقاولين والمشترين الدوليين، وتمنحهم بذلك مساراً إلى أسواق التصدير.
وتتجسد ملامح هذه الاستراتيجية اليوم في عدد من المشاريع التي يقودها مجلس التوازن للتمكين الدفاعي. فمن خلال برنامج "وجهتك الإمارات" GO to UAE، الذي يُنفذ بالتعاون مع وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة وشركة تاليس (Thales)، يتم اعتماد الموردين المحليين وربطهم مباشرة بسلسلة الإمداد العالمية للشركة الدفاعية الفرنسية؛ بما يفتح أمامهم باب المشاركة في منظومة صناعية تتجاوز حدود السوق المحلية. وفي مسار آخر، تعمل تاليس ومجلس التوازن للتمكين الدفاعي على إنشاء خط لإنتاج رادارات المراقبة الجوية المتقدمة من سلسلة "جراوند ماستر" في خطوة تنقل الصناعة المحلية من أعمال التجميع إلى بناء خبرة حقيقية على مستوى المنظومات.
وعلى النهج ذاته، تعمل شركة رايثيون الأمريكية على إنتاج معترضات نظام "كايوتي" المضادة للمسيّرات في منشأة جديدة بأبوظبي، ضمن شراكة تجمع الشركة بمهندسين إماراتيين وموردين محليين للمكونات. ويكتمل هذا التوجه مع المنطقة الحرة للصناعات الدفاعية في السلمية، المعلن عنها حديثاً، والتي صُممت لدمج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل الإمداد، حيث تشكل عملية نقل المعرفة والتكنولوجيا جزءاً أصيلاً من المهام المكلفة بها.
سدّ فجوة صناعية يستغرق سنوات، بينما قد تندلع أزمة في غضون أسابيع.

لم تأتِ هذه النتائج دفعة واحدة، بل تراكمت بثبات مع مرور الوقت. فقد اتسعت حصة المحتوى المحلي في قطاع الصناعات الدفاعية الإماراتي، وأصبح عدد أكبر من الموردين المحليين المتخصصين جزءاً من برامج دولية، فيما تستثمر الشركات المحلية في قدرات تتجاوز قيمتها حدود السوق المحلية. ولم يكن ذلك بفضل قوى السوق وحدها؛ بل لأن الموردين المحليين وجدوا أسباباً واضحة تدفعهم إلى الاستثمار والاستمرار والنمو استباقاً للطلب. ويمثل هذا النهج نموذجاً تتجه دول أخرى، دفعتها تداعيات الصراعات الأخيرة إلى إعادة النظر في منظوماتها الدفاعية، إلى تبنيه اليوم في ظل ظروف أكثر تعقيداً وتحديات أشد.
لكن الحوافز، مهما كانت جيدة، لا تكفي وحدها؛ فسلاسل الإمداد تحتاج بدورها إلى التأمين والاختبار. وحين لا تكون مسألة توطين كل مكوّن خياراً واقعياً، يصبح الاستثمار في مصادر الإمداد، إلى جانب امتلاك رؤية واضحة لما يجري داخل سلاسلها، أفضل البدائل المتاحة. ومن هنا تأتي أهمية تملّك الحصص، وبناء الشراكات، وإبرام الاتفاقيات طويلة الأمد عبر سلاسل الإمداد العالمية؛ بما يضمن الوصول إلى مادة أو مكوّن حيوي من خلال شبكة من العلاقات الموثوقة، حتى حين يتعذر ضمانه من خلال وجوده داخل الحدود الوطنية. والأمر لا يختلف في اللوجستيات. فمعرفة الموقع الدقيق لشحنة حيوية في أي لحظة، وضمان وجود وسيلة موثوقة لنقلها، تسدان ثغرة طالما افترض كثيرون أنها لن تمثل مشكلة أصلاً، وأن تظل منظومات الشحن والتأمين والجمارك تعمل كالمعتاد، حتى حين تتعرض للضغط.

غير أن كل ما سبق يفقد قيمته إذا كان المنتج الصادر عن خط الإنتاج يفتقد إلى الثقة في أنه سيؤدي وظيفته عند الحاجة. وهذا هو السبب الذي يدفع الصناعات الدفاعية العريقة إلى الاستثمار بقوة في عمليات الاختبار والاعتماد، بالتوازي مع توسيع عملية إنتاج وسائل الاعتراض والذخائر الموجهة بدقة، وإعادة الاستثمار في المنظومات الدفاعية متعددة الطبقات، والتعهد بالتزامات طويلة الأمد بالإنتاج المستقل. فالاعتماد وضمان الجودة ليسا من التكاليف التي يمكن تقليصها في زمن السلم؛ فهما الحد الفاصل بين سلسلة إمداد تستطيع الدولة أن تعوّل عليها فعلاً، وأخرى لا تملك سوى أن تأمل في أن تعمل حين تدعو الحاجة.
وحين يُبنى هذا العمق على أسس سليمة وعلى مدى زمني كافٍ، فليس بالضرورة أن ينحصر استخدامه على الدولة ذاتها، إذ يمكن أن تقدمه للآخرين أيضاً. فالمشترون باتوا ينظرون إلى ما هو أبعد من أداء المنصة ذاتها؛ إذ أصبحت موثوقية سلسلة الإمداد التي تقف خلفها جزءاً أساسياً من تقييم المورّد. والسؤال هنا: هل هذا المورّد قادر على التسليم في الموعد وبالحجم المطلوب، من دون أن يظل رهناً برخصة تصدير أجنبية قد لا تصدر في اللحظة التي تشتد فيها الحاجة إليها؟ وهنا تظهر قيمة العمق الحقيقي في سلاسل الإمداد؛ فالدول التي استثمرت في بنائه تجني ثماره اليوم في علاقات أقوى وأطول أمداً مع عملائها. وليس من قبيل المصادفة أن الصدمات العالمية التي تولّد طلباً جديداً ومفاجئاً هي نفسها التي تدفع، في جوانب أخرى، نحو تشديد قيود التصدير. وعندها تتجلى القدرة الحقيقية على الصمود: أن تستطيع الدولة أن تقول لشريكها "نعم" في اللحظة ذاتها التي يضطر فيها منافس أقل استعداداً إلى أن يقول لا.
تقدم الإمارات مثالاً حياً على ذلك خلال أزمة الشرق الأوسط الأخيرة؛ إذ حافظت سلسلة إمدادها الدفاعية على استقرارها في خضم التوترات الإقليمية، من دون أن تقتصر هذه القدرة على الصمود على قطاع الدفاع وحده. فقد استمرت صادرات النفط والغاز في التدفق، مستفيدة من طاقات جديدة لخطوط الأنابيب تتجاوز مضيق هرمز؛ واستندت إمدادات الغذاء إلى توسع الإنتاج المحلي وتنوع مسارات الإمداد؛ فيما واصلت إمدادات الأدوية تدفقها عبر المراكز الإقليمية القائمة. ويتجلى هذا الانضباط ذاته اليوم على امتداد الاقتصاد بأسره.

فأوجه النقص في العتاد والأسلحة التي عانت منها بعض الدول، والتي بدت وكأنها ظهرت فجأة، كانت في الحقيقة قد بدأت تتشكل قبل ذلك بسنوات، بفعل قرار في السياسة الصناعية اتُّخذ بعيداً عن الأضواء. فالجاهزية الظاهرة تقوم دائماً على عناصر أقل ظهوراً: سنوات من الحوافز والاستثمار والتخطيط، تسبق اللحظة التي توضع فيها الدولة على المحك.
لم تكن المقولة العسكرية القديمة عن اللوجستيات تتعلق، في جوهرها، بعربات الإمداد أو مستودعات التخزين؛ بل كانت تختصر حقيقة بسيطة: النظام، في الحرب كما في الصناعة، يُبنى قبل أن تدعو الحاجة إليه، ولا يمكن استحداثه في اللحظة التي يصبح فيها ضرورة. ومن هنا، فإن الدول التي تطرح الأسئلة الصعبة مبكراً – أين تكمن مواطن اعتمادها الحقيقية؟ وأيّ الموردين منحتهم بالفعل أسباباً كافية للبقاء؟ وماذا يحدث حين توضع تلك الأسباب على المحك؟ – هي الأفضل استعداداً لما هو آت.


