
التنافس على الكفاءات التقنية
يتعيّن على قطاع الدفاع تحديث المهارات والتدريب بما يواكب وتيرة التغير التكنولوجي
يُعدّ استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها من أكبر التحديات التي تواجه الصناعة الدفاعية برمّتها. فاحتياجاتها من الكوادر البشرية هائلة، تمتدّ من القوات المسلحة نفسها، إلى الموظفين المدنيين الذين يتولّون تنفيذ السياسات والتخطيط الاستراتيجي، وصولاً إلى المهندسين الذين يصممون المنصات والمنظومات ويبنونها ويصونونها. ومع تنامي الدور المحوري للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في عصر الحروب المدعومة بالتكنولوجيا، بات قطاع الدفاع ينافس معظم القطاعات الصناعية الكبرى على استقطاب أصحاب الكفاءات والمهارات التي يحتاج إليها.
ولكي يحافظ قطاع الدفاع على فاعليته وكفاءته، لا بدّ أن تواكب برامجه للتدريب وتطوير المهارات وتيرةَ التطور التكنولوجي.
لا يخفى الأمر أن التكنولوجيا قد تغني عن بعض الاحتياجات التقليدية من القوى العاملة، لكن الانتقال من الحروب التي تتمحور حول المنصات إلى المنظومات التي تتحكم فيها البرمجيات أوجد حاجة ملحة إلى خبرات جديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتطوير البرمجيات، فضلاً عن الأمن السيبراني، وتكامل النظم.
ويقتضي ذلك رفع كفاءة القوى العاملة الحالية وتطوير مهاراتها وإعادة تأهيلها لمواكبة المتطلبات الجديدة. ولإدراك حجم المهمة، يكفي أن الاتحاد الأوروبي يقدّر حاجته إلى إعادة تأهيل 600 ألف شخص للعمل في الصناعة الدفاعية، حتى يتمكن من تحقيق أهدافه في إعادة التسلح بحلول عام 2030.
في هذا السياق، يوصي مستشارو التوظيف باعتماد نهج "القوة الشاملة" عوضاً عن النهج السائد داخل قطاع الدفاع الذي اتسم تاريخياً بهرمية التنظيم والعمل في كيانات منعزلة. يقتضي هذا النهج الذي يتصف بالمرونة تجنيد المواهب من مزيج من العسكريين النظاميين والاحتياطيين والموظفين المدنيين والمتعاقدين وشركاء الصناعة بدوام كامل أو جزئي، وتدريبهم ضمن شراكات تتجاوز حدود القطاعات والتخصصات، ما يؤدي إلى تسريع عملية تطوير القدرات، والانتقال إلى بناء مؤسسات قائمة على المهارات والكفاءات. ويدعو هذا النهج إلى إطلاق برامج تأهيل معجّلة لاستقطاب المهندسين ومطوّري البرمجيات وعلماء البيانات ممن اكتسبوا خبراتهم في قطاعات ذات صلة، كصناعة السيارات والطيران والطاقة والاتصالات، وتشجيعهم على الانتقال إلى الصناعة الدفاعية في منتصف مسيرتهم المهنية.
وبالتوازي مع إعادة تأهيل الكوادر الحالية، لا بدّ للصناعة الدفاعية من إعداد جيل جديد من الكفاءات يمتلك المهارات التقنية التي تحتاجها شركاتها. ويتطلب ذلك تعاوناً وثيقاً مع المعاهد التقنية والمهنية، وتعزيز نظام التلمذة الصناعية.
وتقدّر الحكومة البريطانية أن قطاع الدفاع قد يحتاج إلى استحداث 50 ألف وظيفة جديدة بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، فضلاً عن تعويض 29 ألف عامل يُتوقع تقاعدهم خلال الفترة نفسها. ولسدّ هذه الفجوة الكبيرة في المهارات، أعلنت الحكومة العام الماضي خططاً لإنشاء خمس كليات للتميّز التقني متخصصة في قطاع الدفاع، بهدف ضمان قدرات المملكة المتحدة الدفاعية السيادية والحفاظ عليها مستقبلاً.
ستتعاون هذه الكليات مع الصناعات الدفاعية في تصميم مناهج دراسية تستجيب مباشرةً للاحتياجات المستجدة للقطاع وسلاسل إمداده، بهدف إعداد كوادر عالية التأهيل قادرة على تلبية متطلباته على المدى الطويل. وستركّز المناهج على تخصصات تقنية من الجيل القادم، تشمل هندسة الطيران والفضاء، والتقنيات الدفاعية الرقمية، والتصنيع المتقدم، بما يتيح للشباب مساراً أسرع للالتحاق بالمهن الدفاعية.
لكن التحدّي المتمثل في استقطاب المواهب الفنية في قطاع الدفاع يزداد صعوبةً حالياً، إذ تخوض شركات التكنولوجيا التجارية منافسةً شرسة لجذب المهارات في البرمجيات والبيانات والأنظمة ذاتية التحكم. فهذه الشركات تقدم عادةً أجوراً أعلى وظروف عملٍ أكثر مرونة، ومزايا أفضل، يجد قطاع الدفاع صعوبة في مجاراتها. يضاف إلى ذلك أن المتقدمين للعمل في الدفاع يخضعون لتدقيق أمني دقيق ومطول، قد يصرف بعضهم عن المضي في طريقه.
لتمكين قطاع الدفاع من التنافس على الكفاءات الرقمية بنحو أفضل، يوصي مستشارو التوظيف بتوفير مسارات مهنية عابرة للقطاعات، ما يقتضي تهيئة فرص تتيح لمنتسبي المؤسسة العسكرية التناوب على العمل داخل القطاع وخارجه، بسبل منها الإعارة والانتداب لدى الموردين. إن إتاحة ما يُعرف بالمسارات المهنية المتعرجة لا يضمن أن تبقى المؤسسة العسكرية على اطلاع دائم بأحدث اتجاهات التكنولوجيا وابتكاراتها فحسب، بل تمنح الصناعة الدفاعية في الوقت ذاته فهماً أعمق لاحتياجات القوات المسلحة وتحدياتها الخاصة.
وفي هذا العصر الذي تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، لم يعد تطوير الكفاءات مسؤولية جهة واحدة، بل بات يتطلب تضافر الجهود على امتداد المنظومة الدفاعية بأكملها. فلا بدّ من تعاون القوات المسلحة والقطاعات الصناعية والمؤسسات التعليمية في تحديد المهارات اللازمة لصيانة القدرات والأصول الدفاعية المستقبلية وتطويرها، ودعم الابتكار في التقنيات المرتبطة بالدفاع.
وهناك أيضاً حاجة لتضافر الجهود بهدف تحديث صورة قطاع الدفاع لدى الشباب بوصفه جهة عمل جذابة.
فقد بات الشباب اليوم مدفوعين، على نحو متزايد، بالإحساس بهدف يتمثلون به وانسجامٍ أخلاقي في مساراتهم المهنية. وعليه، يتعين على المؤسسات العسكرية أن تعيد صياغة خطابها، مع التشديد على دورها الدفاعي في ظل تهديدات جديدة تتجاوز الحرب التقليدية لتشمل الأمن السيبراني والروبوتات وأزمة المناخ.
والرسالة التي ينبغي إيصالها هي أن العمل في قطاع الدفاع يتيح لأصحاب التخصصات التقنية فرصة التصدي لتحديات بالغة الأثر، وتوظيف خبراتهم في إيجاد حلول تُحدث فرقاً ملموساً على أرض الواقع.



