البحث ركيزة الجاهزية لتحديات المستقبل

داخل‭ ‬المنظومة

البحث ركيزة الجاهزية لتحديات المستقبل

قبل أن يصبح المستقبل واقعاً يمكن تصنيعه أو توظيفه أو الدفاع عنه، لا بد أولاً من فهمه

غالباً ما نقيس تنافسية قطاع الدفاع من خلال المؤشرات القابلة للقياس: القطع البحرية في المياه، والطائرات على مدارجها، وعدد الوحدات المنتجة شهرياً، أو قيمة طلبات التصدير. ولا شك أن هذه المؤشرات حقيقية ومهمة، لكنها لا ترصد سوى الطرف المرئي من سلسلة أطول بكثير؛ فهي تخبرنا بما تستطيع دولة ما إنجازه اليوم، لا بما ستكون قادرة على بنائه بعد عقد من الآن.

فخلف هذه المؤشرات تكمن القدرة على إنتاج معرفة أصيلة: أي ما إذا كانت الدولة قادرة على فهم التكنولوجيا بعمق يكفي لتشكيل مسارها وتأمينها وتكييفها، أم أنها لا تملك سوى شرائها ودمجها، ثم التعويل على استمرار شروط الوصول إليها.

ولعل هذا الفارق كان، في وقت مضى، أقرب إلى مسألة أكاديمية. أما اليوم، فالصورة مختلفة؛ إذ تتقدم العلوم التي تقوم عليها مجالات الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التحكم وتقنيات الكم والتشفير والطاقة الموجّهة والمواد المتقدمة بوتيرة أسرع مما تستطيع دورات المشتريات استيعابه. وقد تستند قدرة تُحدَّد متطلباتها اليوم إلى افتراضات لم تعد قائمة حين تدخل الخدمة فعلياً. وفي مثل هذه البيئة، لم يعد البحث نشاطاً بعيداً في المراحل الأولية، تشق نتائجه طريقها تدريجياً إلى الصناعة؛ بل أصبح بنية تحتية لا تقل أهمية استراتيجية عن أحواض بناء السفن، وإن كان اكتسابها أصعب بكثير.

وبعبارة واضحة، تتمتع الدول التي تجري أبحاثاً أصيلة بقدر أكبر بكثير من القدرة على اختيار مساراتها التكنولوجية بنفسها. أما الدول التي لا تفعل ذلك، فغالباً ما تتشكل مساراتها بفعل الموردين وهيئات وضع المعايير ووتيرة الابتكار لدى الآخرين.

إن إدراك هذه الحقيقة هو الجزء الأسهل. فقد خلصت معظم الدول إلى حاجتها إلى قدرات بحثية، وخصصت لها التمويل على هذا الأساس. لكن عدداً أقل بكثير نجح في المهمة الأصعب، وهي تحويل البحث إلى قدرات قابلة للاستخدام، من نماذج أولية ومنظومات ومعايير وبراءات اختراع، وصولاً إلى حلول تعمل فعلياً في الميدان، حين تكون الظروف صعبة ويكون الخصم بدوره يفكر.

ومن واقع تجربتي، ما أن تنضج الأسس العلمية للتكنولوجيا بالقدر الكافي لاختبارها حتى تصبح أصعب العوائق، في كثير من الأحيان، مؤسسية لا علمية. فالمسافة بين نتيجة واعدة ومنظومة جاهزة للاستخدام العملياتي تملؤها أعمال رتيبة ومرهقة لا تحظى عادةً بالكثير من الاهتمام: التكامل والاختبار والاعتماد والتوثيق، والمعالجة المتأنية للحالات الاستثنائية. ومع ذلك، تعاني هذه الأعمال بصورة مزمنة من نقص الموارد مقارنة بمرحلة الاكتشاف التي تسبقها. وهنا تحديداً تتعثر كثير من استراتيجيات الابتكار الوطنية – أي في إنضاج الاختراع وتحويله إلى منتج.

وعند التفكير في نوع المؤسسات التي ينبغي للدولة أن تبنيها لدعم صناعتها الدفاعية، غالباً ما يكون التوجه الأول هو إنشاء مختبر وطني كبير. غير أن ثمة نموذجاً آخر جديراً بالنظر: عدد محدود من المراكز المتعمقة والموجّهة نحو مهام محددة، يمتلك كل منها الحجم والقدرات اللازمة للعمل عند حدود المعرفة في مجاله، مع تصميمها بحيث تتقاطع فيما بينها. فالتوسع من دون عمق لا ينتج سوى اللجان، والعمق من دون تقارب لا ينتج سوى جزر منعزلة. ومن ثم، قد لا تقل الكيفية التي تُنظَّم بها هذه القدرات أهمية عن حجم الميزانية المخصصة لها.

إلى جانب الكيفية التي تُنظَّم بها القدرة البحثية، يتطلب ردم الفجوة بين الاكتشاف العلمي والقدرة القابلة للتطبيق على أرض الواقع خيارات مدروسة بالقدر نفسه. في معهد الابتكار التكنولوجي (TII) في أبوظبي، نُخضع البحوث المطروحة لاختبار صارم: هل ثمة مسار موثوق ينقل البحث إلى استخدام فعلي ذي قيمة؟ وهل نستطيع العمل عند الحدود المتقدمة لهذه التكنولوجيا، بدلاً من السير في مسارات سبقنا إليها الآخرون؟ ليست كل فرصة قادرة على اجتياز هذا الاختبار، وهذه الانتقائية ضرورية؛ فالتقدم يعتمد على معرفة ما ينبغي ألا نسعى وراءه بقدر ما يعتمد على اختيار المجالات التي نقرر أن نقود فيها.

ولا يكتمل هذا المسار من دون آلية واضحة لنقل العمل إلى المرحلة التالية. من هذا المنطلق، حرصنا على أن يكون الانتقال إلى التطبيق التجاري جزءاً من بنية المنظومة نفسها، لا خطوة تُضاف إليها لاحقاً. وفي وقت سابق من هذا الصيف، شاركت ثلاث شركات نشأت من أعمالنا البحثية ، هي تاكتيكال إيه آي TacticaAI وسرب إيه آيSirbAI وسينتور إيه آي CentaureAI، في معرض يوروساتوري في باريس، حيث استعرضت أعمالها وابتكاراتها. وهذا، في نهاية المطاف، هو الاختبار الذي يعنينا: ليس فقط أن يكون البحث متقناً من الناحية العلمية، بل أن يكون طرف من خارج مؤسستنا مستعداً لأن يبني عليه قراراً عملياتياً.

لكن الانتقال إلى الاستخدام العملياتي يفرض في تكنولوجيا الدفاع معياراً مختلفاً جذرياً في جانب واحد تحديداً: الفشل. فالفشل هنا ليس مجرد احتمال ينبغي التحوط منه، بل نتيجة سيسعى خصم مقتدر إلى إحداثها عمداً، وغالباً في اللحظة التي تكون فيها عواقبها أشد خطورة.

فمع تحول المنصات إلى أنظمة مُعرَّفة برمجياً ومترابطة ومتزايدة الاستقلالية، تتغير تبعاً لذلك دلالة أن تكون المنظومة آمنة. فالأمن ليس طبقة يمكن إضافتها في نهاية عملية التطوير؛ إذ إن قدرة المنظومة على الصمود أمام الاختراق خاصية كامنة في بنيتها المعمارية، تتحدد منذ قرارات التصميم الأولى. وإذا انطلق التصميم أساساً من افتراض بيئة خالية من التهديدات، فلن يكون بوسع أي قدر من إجراءات التحصين اللاحقة تدارك ذلك القصور.

ويترتب على ذلك نتيجتان. أولاهما أن الاستقلالية ترفع سقف متطلبات الضمان، لا أن تخفضه. فالمنظومة التي تتخذ قراراتها بنفسها يجب أن تكون جديرة بالثقة على نحو لا يُشترط بالدرجة نفسها في منظومة تُشغَّل عن بُعد؛ إذ ينبغي أن يكون سلوكها قابلاً للتنبؤ والتحقق حتى في ظروف لم يتوقعها مصمموها، بما في ذلك الظروف العدائية. وهنا تصبح قابلية التحقق، لا مجرد امتلاك القدرة، بل الشرط الحاسم. ولهذا استثمرنا في المنطقة التي يتقاطع فيها التشفير مع أمن الذكاء الاصطناعي، ولهذا أيضاً أصبح معهد الابتكار التكنولوجي هذا العام شريكاً مؤسساً في جهد دولي لوضع معيار مفتوح للذكاء الاصطناعي القابل للتحقق والآمن في مواجهة التهديدات الكمية. فالمعايير ليست إجراءات بيروقراطية تُضاف لاحقاً؛ بل هي الآلية التي تتيح انتقال الثقة بين مؤسسات لا يوجد ما يلزم أياً منها بأن تأخذ كلام الأخرى على محمل الثقة.

أما النتيجة الثانية فتتعلق بالتوقيت. ولعل التشفير لفترة ما بعد الحوسبة الكمية أوضح مثال على خطر يقلل صانعو السياسات من تقديره بصورة منهجية، لأن الموعد الذي يصبح عنده هذا الخطر واقعاً لا يمكن رؤيته مسبقاً. فالبيانات المشفرة التي تُعترض اليوم يمكن تخزينها وفك تشفيرها لاحقاً، متى ما توفر حاسوب كمي يتمتع بالقدرات الكافية. وبالنسبة إلى كثير من المنظومات التي تمتد أعمارها التشغيلية إلى 20 عاماً، لم يعد من الممكن التعامل مع قرار الانتقال إلى التشفير الجديد باعتباره مسألة تخص مستقبلاً بعيداً. ونحن نعمل على جانبي هذه المسألة بالتوازي: نبني القدرات الكمية، ونبني في الوقت نفسه وسائل الدفاع في مواجهتها. ومن ثم، ينبغي لكل من تقع على عاتقه مسؤولية منظومات طويلة العمر أن يتعامل مع الانتقال في أنظمة التشفير باعتباره مسألة مشتريات يجب حسمها هذا العام، لا مسألة بحثية مؤجلة إلى العقد المقبل.

على أن أياً من ذلك لا يتحقق من خلال المرافق وحدها. فالمختبرات والقدرات الحاسوبية وميادين الاختبار ضرورية، لكنها تمثل أيضاً الجزء الأسهل، لأنها ببساطة قابلة للشراء. أما التحدي الأصعب، فهو بناء مجتمع من الكفاءات القادرة على العمل عند حدود المعرفة، والمستعدة لأن تفعل ذلك داخل بلدك.

فالمواهب ليست عاملاً مساعداً في التنافسية الدفاعية، بل هي القيد الحاسم. واستقطابها لا يعتمد على المقابل المادي بالقدر الذي تفترضه معظم المؤسسات. فالباحثون الجادون يتجهون إلى حيث توجد مسائل جديرة بالبحث، وتجهيزات حقيقية، وبيئة لا تخنق العمل بالإجراءات. وقد علمتنا تجربة بناء مجتمع بحثي يضم عشرات الجنسيات أن العرض القادر فعلاً على جذب المواهب، أينما كانت، بسيط في جوهره: مسائل ذات أثر، وموارد حقيقية، وتوقع معقول بأن يجد العمل الجيد طريقه إلى العالم.

أما النصف الآخر من المعادلة، فيكمن فيما يحدث عند نقاط الالتقاء. فالقدرة الحقيقية تنشأ عند هذه التخوم: حين يعمل خبير في التشفير جنباً إلى جنب مع عالم في المواد، وحين يكون مركز الأبحاث قريباً بما يكفي من المستخدم العملياتي ليسمع منه ما الذي يفشل في الميدان، وحين تمدّ الجامعات المنظومة بالكفاءات، فيما تستقي الصناعة منها التكنولوجيا.

وعند النظر إلى التقنيات التي يُرجح أن تكون الأكثر أهمية وتأثيراً خلال السنوات العشر المقبلة، يصعب تجاهل ما ينشأ عند تقاطع الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل، إلى جانب أمن ما بعد الحوسبة الكمية والمواد المتقدمة.

لكن تاريخ استشراف التكنولوجيا يدعونا جميعاً إلى قدر من التواضع؛ فالإجابة الأكثر بقاءً تتعلق ببنية المنظومة، لا بمجال تقني بعينه. ولن تكون المنظومات الصناعية الدفاعية الأكثر تنافسية خلال العقد المقبل هي التي يحالفها الحظ في اختيار التقنيات الصحيحة، بل تلك التي تبني مساراً متصلاً من مرحلة البحث إلى بناء قدرات موثوقة، وتستطيع اجتياز هذا المسار بوتيرة أسرع من تغير البيئة المحيطة بها. ويتطلب ذلك قدراً كافياً من الانفتاح على التعاون، إذ لا تستطيع دولة أن تتصدر جميع المجالات في وقت واحد؛ كما يتطلب انضباطاً كافياً لحماية ما يمنحها ميزة حقيقية؛ وتقبلاً لحقيقة أن بعض الأعمال الأشد أثراً لن تبدو لها فائدة واضحة إلّا بعد مرور سنوات.

وهنا يكمن العمل الحقيقي للجاهزية للمستقبل. فهو أقل ظهوراً من خطوط الإنتاج، ويتحرك وفق إطار زمني مختلف عن دورات المشتريات، لكنه النقطة التي يبدأ منها الجيل التالي من القدرات. ذلك أن المستقبل، قبل أن يصبح بالإمكان صناعته أو تحويله إلى واقع أو الدفاع عنه، لا بد أولاً من فهمه. فالبحث في المستقبل يسبق بناءه.

شارك