ساحة المعركة الاصطناعية

ملفات المستقبل

ساحة المعركة الاصطناعية

النمذجة والمحاكاة والألعاب الحربية هي في طريقها اليوم لتصبح جزءاً رئيسياً من تمارين منظومة الدفاع.

تخيّل مناورات عسكرية تجري على نطاق واسع في يوم عادي من أيام الأسبوع. سرب من الطائرات المسيّرة يشنّ هجوماً على البنية التحتية الحيوية للدولة، بينما تتم محاولة اختراق إلكتروني لشبكات القيادة. وفي ذات الوقت، تتصدى وحدة دفاع جوي لتهديدات جوية لم تشهدها من قبل في عمق الأراضي الداخلية. وفي العاصمة، يعمل فريق لوجستي على إعادة  توجيه الإمدادات بعيداً عن ممرات أُغلقت لتوها. في هذه الأثناء، يتعامل المحللون والخبراء العسكريون في مركز العمليات المشتركة مع مسألة حاسمة: التمييز بين التهديدات الحقيقية وحملة تضليل صُمّمت لتوجيههم نحو الاتجاه الخطأ.

لا شيء من هذا حقيقي. لكن كل ما فيه صحيح: التضاريس هي التضاريس الفعلية، والطقس هو الطقس الفعلي. وكل قرار يتخذه القائد ينعكس أثره على المنظومة ويُغيّر ما يجري بعده. ومع اختتام المناورات، يكون المئات من أعضاء المنظومة قد ارتكبوا أسوأ أخطائهم – لكن في بيئة لا تُكلّف فيه الأخطاء شيئاً. والأهم هو أن الدولة تصبح أكثر جاهزية مما كانت عليه قبل المناورات.

هذه هي ساحة المعركة الاصطناعية. لعقود، ظلت تمارين المحاكاة على هامش التدريبات الدفاعية، تؤدي دوراً مسانداً. لكن ذلك الأمر بدأ يتغير، فالنمذجة والمحاكاة والألعاب الحربية هي في طريقها اليوم لتصبح جزءاً رئيسياً من تمارين منظومة الدفاع، جامعة بذلك عمليات التخطيط والتصميم والاختبار والتدريب والاعتماد في نشاط واحد متصل. لم تعد هذه مجرد أداة أخرى تضمها المنظومة العسكرية إلى أنشطتها. فقد تكون تبعاتها الفاصل بين الانتصار والهزيمة في ساحة المعركة.

وهذا يفرض سؤالاً بات يتحتم على كل دولة أن تجيب عنه: من يملك البيئة التي تتعلّم من خلالها قواتك؟

التوأم الرقمي الفعّال لرفع الجاهزية العسكرية يفعل أكثر من مجرد محاكاة الواقع. فالبيانات الواردة من العالم الحقيقي تعيد تشكيل التوأم، وما يجري داخله يعيد بدوره تشكيل ما ستبنيه القوة وما ستفعله لاحقاً على أرض الواقع. وحين تُغلق هذه الحلقة، ينشأ مشهد جديد: نموذج متكامل لنظام البيئة العسكري، وصورة سيادية دائمة التعلّم للتضاريس والمنصات والشبكات والظروف والنشاط البشري، تزداد دقةً مع كل ساعة من المناورات.

هذا هو الذكاء الفيزيائي أو المادي، حين تتعلّم المنظومة العسكرية من تلقاء نفسها.

تجمع هذه المنظومة الهندسية للذكاء الفيزيائي أربع طبقات  في منظومة واحدة. تبدأ بالروبوتات والمستشعرات التي تمنح المنظومة عيوناً وآذاناً وأيدياً؛ ثم يكتمل نموذج سيادي لمجمل البيئة ليحوّل الإشارات إلى سياق؛ ومنه إلى صورة تشغيلية مشتركة تتيح للفرق أن ترى وتحاكي وتنسّق. وتكتمل الحلقة بوكيل ذكي يتيح لأي شخص أن يسائل البيئة بلغة طبيعية، ثم يعيد الإجابة إلى العالم المادي.

لكن أياً من هذه الطبقات لا يصنع التفوق بمفرده؛ فالميزة الحقيقية تكمن في سرعة المنظومة حين تعمل بمجملها: جندي يتدرّب على الاقتحام قبل أن تمتد يده إلى الباب، وسرب ينفّذ ألف طلعة في أجواء متنازع عليها قبل أن ينفّذ واحدة في الواقع، وقائد يرى تداعيات قراره قبل أن يجازف بحياة جندي واحد.

وهكذا تكمن قيمة ساحة المعركة الاصطناعية فيما تزيله من مسار العمليات.

فهي تقصّر الانتظار، وتزيل المخاطر غير المُدارة، وتمنع الفشل الذي لا يُكتشف إلا متأخراً، والذي يصبح إصلاحه مكلفاً للغاية. وهي، من جهة أخرى، توفر للمنظومة الدفاعية الأدلة، والجاهزية، كما تُغني عن الحُكم بشري إلا إذا استدعت الحاجة لذلك.

فالسلاح الحديث هو برمجيات بقدر ما هو حديد وعتاد. فإذا قمت بتغيير نمط واحد في الرادار، تتأقلم معه شبكة الدفاع الجوي بأكملها. أما أن تصمّم، ثم تبني، ثم تختبر، ثم تصحّح، واحداً تلو الآخر، فذلك يهدر سنوات لا تعوض في الوقت الذي يتصاعد فيه التهديد. هنا يستطيع النظام الجديد أن يكافح التشويش والخداع وجملة من التهديدات قبل أن يصل إلى ميدان الاختبار الفعلي، فيما تواجه التصاميم المتنافسة مهام متطابقة، فتكون المقارنة عادلة.

لا شيء من هذا يحلّ محل الاختبار الميداني الفعلي. لكنه يُغيّر الغرض منه. فبعد آلاف التجارب في البيئة الاصطناعية، لا يبقى للاختبار الفعلي سوى أن يثبت ما لا يستطيع إثباته إلا الواقع، فيما تتحول كل تجربة محاكاة إلى دليل موثّق تستند إليه الجهات المسؤولة عن اعتماد النظام والتأكد من أمان استخدامه ميدانياً. وهناك قاعدة واحدة تحمي كل شيء: لا تُقبل المحاكاة دليلاً على دقتها هي ذاتها. غرضها أن تقدم الأدلة، لا أن تُخفّض المعيار.

لكن ما يمنح تلك الأدلة قوتها في النهاية هو السيادة. فالنماذج التي تُبنى محلياً، وتُختبر في منشآت وطنية، وتُعتمد وفق معايير وطنية، تستطيع الإجابة عن السؤال الذي تطرحه كل جهة مختصة: كيف أُنتجت هذه النتيجة؟ هذه الإجابة لا يمكن استيرادها. لا بد من بنائها.

أما الاختبار الأصعب، فهو أن تجمع حصيلة كل المكونات للوصول إلى نتيجة واحدة. فاختبار منصة واحدة في مهمة واحدة أمر يمكن التعامل معه. لكن فهم كيف تتصرف الأنظمة الذاتية والمشغّلون والمستشعرات وشبكات القيادة حين تعمل جميعها معاً، في ظل معلومات غير مكتملة وواقع ينحرف عما تقوله بيانات التدريب، فذلك مستوى آخر تماماً من التعقيد.

في ساحة المعركة الاصطناعية، سرعة التعلّم هي سرعة التفوّق

بالعودة إلى المناورات التي تم الحديث عنها في بداية هذه المقالة، بينما تنشغل الأطقم بمواجهة التهديد الرئيسي، تنشغل بيئة النظام في الخلفية، بهدوء، باختبار مسارات بديلة لا يمكن لأي ميدان اختبار فعلي أن يحاكيها. ماذا لو أدى الطقس، في أسوأ لحظة ممكنة، إلى تراجع تغطية المسيّرات والرادارات؟ ماذا لو غيّر السرب تكتيكاته في منتصف الهجوم؟ ماذا لو استمرت الاتصالات في التدهور تحت وطأة التشويش المتواصل؟ كل مسار من هذه المسارات يجري بالتوازي مع الآخر، وكل واحد منها يتحول إلى دليل قبل أن يضطر أحد إلى أن يعيشه في الواقع.

عندها، لا يعود مفهوم "تدرّب كما تقاتل، وقاتل كما تدرّبت" مجرد شعار. فالقوات الزرقاء تواجه قوة حمراء لا تتحرك وفق سيناريو مكتوب، بل يقودها ذكاء عدائي يتعلّم من كل اشتباك، ويطارد الثغرة التي كشفها التمرين السابق. إنه صراع بين نظامين ذكيين يشحذ كلٌّ منهما الآخر، والبشر يقودون كليهما. والتفوق هنا يأتي من ميزة لا يملك الخصم رداً عليها، لم يتم اكتسابها بفضل استثمار أكبر في النظام مقارنة بالخصم، بل بتجاوزه في التعّلم. وكل ثغرة تعثر عليها القوة الحمراء تتحول إلى دليل يُسترشد به في تصميم القوة: أين ينبغي أن تكون القدرة التالية، أو العقيدة التالية، أو الاستثمار التالي.

ويتم في هذه البيئة اختبار العلاقة الوحيدة التي يتقرر في ضوئها ما إذا كان أيٌّ من ذلك سيحظى بالثقة – أي العلاقة بين الإنسان والآلة. متى ينبغي للنظام أن يتصرف بمفرده؟ ومتى ينبغي له أن يبرر ما يفعله؟ ومتى عليه أن يتوقف ويعيد التحكم إلى الإنسان؟ وكيف يتدخل الإنسان خلال ثوانٍ تحت الضغط؟

فالغاية لم تكن يوماً إبعاد الإنسان عن القرار، بل أن نضع بين يديه آلات يفهمها حقاً، وأن نصقل غريزته في قيادتها.

وبما أن كل تفاصيل العمليات يتم تسجيلها، فالتمرين لا ينتهي بانتهاء المناورات، إذ يمكن استرجاع أي لحظة من أي موقع خلال جلسة مراجعة العمليات، حيث يمكن مشاهدة كل ما حدث، والأهم فهم الأسباب وراء كل قرار تم اتخاذه. ويمكن لعشرة فرق أن تخوض السيناريو نفسه، لتتحول أفضل تجربة وأسوأها إلى منهج تتعلّم منه القوة بأكملها ما ينبغي فعله وما يجب ألا يتكرر أبداً.

قد تبدو البيئة الاصطناعية خالية من العيوب، لكن ذلك لا يمنع أن ترتكب خطأً في مكان دقيق لا يمكن ملاحظته بسهولة. والثقة تقع على عاتق هندسة المنظومة

هنا يجب أن تحملها المنظومة الهندسية نفسها: مصدر موثوق للبيانات، وافتراضات جرى التحقق من صحتها، ودقة محاكاة تتطابق مع القرار، والشفافية في التنبيه عن المواقع التي تفتقد إلى اليقين، وأن يعمل كل ذلك على بنية تحتية تسيطر عليها الأمة، لا تستأجرها.

ومن هنا، تصبح السيطرة على البيانات والنماذج والقواعد التي تحكمها، الأساس الذي يقوم عليه كل شيء آخر. ويضمن بناء هذه الشريحة الذكية داخل دولة الإمارات حماية الأنظمة الحساسة؛ كما يساهم أيضاً في بناء 

 الكفاءات والمعايير والقاعدة الصناعية اللازمة لنقل القدرات الإماراتية إلى العالم.

يرتقي كل جيل بالبنية التحتية التي يعتمد عليها، أما الجيل الحالي فسيرتقي بالبنية التحتية التي تتعلّم الأمة من خلالها.

ولن يحظى بالميزة من يمتلك أكثر أجهزة المحاكاة إبهاراً، بل من يبني أسرع حلقة موثوقة بين العالم المادي والعالم الاصطناعي؛ تلك الحلقة التي تستشعر الواقع، وتختبر الممكن، ثم تنتج قراراً أفضل للإنسان الذي عليه أن يتصرف وفقاً للقرار.

إن سرعة اكتساب الميزة على الخصم في ساحة المعركة الاصطناعية هي سرعة التعلّم. وفي يوم عادي من أيام الأسبوع، ستكون تلك السرعة العامل الحاسم في الفوز بمستقبل بلا حدود.

شارك