من الكلفة إلى القوة: سباق الكفاءة الدفاعية

الفكرة الكبرى

من الكلفة إلى القوة: سباق الكفاءة الدفاعية

يرى بلال خان أن تحقيق التفوق المقبل في الحروب سيتحدد بقدرة الدول على تطوير أسلحة أقل تكلفة، إلى جانب بناء سلاسل إمداد مرنة وقادرة على إنتاجها بالكميات والوتيرة التي تتطلبها العمليات العسكرية.

أدخلت النزاعات في أوكرانيا والشرق الأوسط العالم في حقبة جديدة من الحروب، باتت فيها الكتلة المتاحة – أي القدرة على الاحتفاظ بمخزونات ضخمة من الذخائر الموجّهة وتجديدها باستمرار – في صميم مخططات كل قوة عسكرية كبرى. ويشمل هذا المفهوم الأنظمة الجوية غير المأهولة صغيرة الحجم (UAS) ، مثل الطائرات المسيّرة رباعية المراوح، والطائرات المسيّرة المزودة ببث حي (FPV)، وطائرات الاعتراض المسيّرة؛ إلى جانب أسلحة بعيدة المدى مثل الصواريخ الجوالة من فئة كروز، والتي كانت حتى قبل عقد واحد فقط من أبرز ما تتباهى به ترسانات الدول.

ولإعطاء مفهوم "الكتلة المتاحة" بُعداً ملموساً وقابلاً للقياس، أطلقت روسيا خلال النصف الأول من عام 2026 أكثر من 1,400 طائرة مسيّرة من طرازي "جيران-3" و"جيران-4" (Geran-3/Geran-4) تعمل بمحركات نفاثة، استهدفت مواقع في أوكرانيا. ورغم أن تصميم "جيران-3" مشتق من هيكل الطائرة الإيرانية "شاهد-136"، إلّا أنها تعمل بمحرك نفاث توربيني (Turbojet) مصغّر، ما يجعلها، من الناحية العملية، عبارة عن صاروخ كروز. أما "جيران-4"، فتعتمد تصميماً أسطوانياً أكثر تقليدية، شبيهاً بصواريخ كروز الأقدم، لكنها أبسط بفضل استخدام مثبتات وأجنحة ثابتة ومحرك نفاث توربيني مثبّت خارجياً؛ وهو ما يلغي الحاجة إلى أنظمة معقدة للتحكم في الطيران داخل الصاروخ نفسه. وتشير وسائل الإعلام الأوكرانية إلى أن روسيا تستعد لإنتاج أكثر من 3,000 طائرة مسيّرة من طرازي "جيران-3" و"جيران-4" شهرياً.

وفي الوقت ذاته، أفادت قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية بتنفيذ 2,359 مهمة هجومية في العمق داخل روسيا. وكان من بين أسلحة الهجوم الرئيسية التي تعتمد عليها أوكرانيا الطائرة المسيّرة FP-1 من إنتاج "فاير بوينت" (Fire Point)، وهي تعمل بمحرك مكبسي ويبلغ مداها 2,600 كيلومتر، على غرار "شاهد-136"، إلى جانب FP-5، وهو صاروخ كروز كبير بمدى معلن يبلغ نحو 3,000 كيلومتر. غير أن أوكرانيا، شأنها شأن روسيا، تعمل أيضاً على تطوير صواريخ كروز منخفضة التكلفة، من بينها "باليانتسيا" (Palianytsia) و"بارز" (Bars).

أما في الشرق الأوسط، فقد استخدمت الولايات المتحدة خلال عملية "الغضب الملحمي" أكثر من 1,000 صاروخ "توماهوك" ونحو 1,100 صاروخ "جاسم" (JASSM) جو-أرض بعيد المدى، وذلك في غضون 39 يوماً فقط. وأدى هذا المعدل من الاستهلاك إلى انخفاض مخزون الولايات المتحدة من الذخائر الحيوية إلى نصف مستوياته قبل الحرب. ويقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن تعويض مخزونات صواريخ كروز التقليدية الأمريكية يستغرق نحو 52 شهراً، من اعتماد الميزانية وحتى التسليم بالكامل.

ويُحسب للبنتاغون أنه استشرف هذه المشكلة قبل اندلاع الحرب الجارية، وأطلق برنامج "عائلة الصواريخ الجماعية منخفضة التكلفة" (FAMM) ضمن مقترح ميزانية سلاح الجو الأمريكي لعام 2026، الصادر في ربيع 2025. وفي يوليو من هذا العام، أعلن البنتاغون عن اتفاقيات إطارية مدتها سبع سنوات في إطار البرنامج، لتوريد ما يصل إلى 8,000 صاروخ موجّه سنوياً، مع خطط لتوريد 28,000 صاروخ على مدى خمس سنوات.

وفي إطار برنامج "عائلة الصواريخ الجماعية منخفضة التكلفة"، اختار البنتاغون ثلاثة أنظمة: "باراكودا-500" (Barracuda-500) من شركة أندوريل ( Anduril)، وصاروخ RAACM من "كو أسباير" (CoAspire)، و"أي جي إم - رستي داجر" (AGM-188A "Rusty Dagger) من "زون 5" (Zone 5). وبالتوازي مع ذلك، يدير البنتاغون مبادرات أخرى لتعزيز قدرته على تنفيذ الضربات السريعة، من بينها صاروخ "بلاك بيرد" (Blackbeard)  الفرط صوتي من شركة كاستيليون (Castelion). ويبدو أن هذا المسار يولي اهتماماً أكبر بالصواريخ الباليستية التقليدية، على غرار سلسلة "فتاح" الإيرانية وسلسلة "تايفون" (Tayfun) التركية.

وأخيراً، تتجه أوروبا بدورها نحو مفاهيم مماثلة من خلال برامج مثل "ديلوج" (Deluge) و"كروس بو" (Crossbow) من شركة “إم بي دي أي” (MBDA)، حيث يسعى هذان البرنامجان، على التوالي، إلى الاستفادة من ضبط التكلفة وبساطة التصميم التي يتميز بها "جيران-3"، ومن النهج الذي تقوم عليه ذخائر سلسلة FAMM. وتضطلع المملكة المتحدة أيضاً بدور مهم في تحويل هذه المفاهيم الناشئة إلى واقع عملي من خلال مشروع "بريك ستوب" (Breakstop)؛ بل إن شركة “إم بي دي أي” قد طوّرت Crossbow خصيصاً لهذا المشروع. وإلى جانب ذلك، تعمل شركتي MGI Engineering وRotron Aerospace، على التوالي، على تطوير صواريخ كروز منخفضة التكلفة، وطائرات هجومية أحادية الاتجاه (OWA) منخفضة التكلفة تعمل بمحركات مكبسية.

وبالنظر إلى مجمل هذه التحركات، يتضح أن مفهوم "الكتلة المتاحة" بات يتجه نحو ثلاثة مسارات رئيسية. الأول يسعى إلى تطوير صواريخ كروز والصواريخ الباليستية التقليدية منخفضة التكلفة، لتنفيذ ضربات موثوقة وقابلة للتوسع، مستفيدة من السرعة والأداء عالي السرعة في المرحلة النهائية، ولكن بتكلفة أدنى من الذخائر التقليدية. ويتمحور المسار الثاني حول الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه (OWA) العاملة بمحركات مكبسية، أو الذخائر الجوالة، لتنفيذ رشقات بعيدة المدى بعمق كافٍ لإجهاد الدفاعات الجوية المعادية وإجبارها على استهلاك وسائل الاعتراض الحركية. ويركز المسار الثالث على مخزونات ضخمة من الطائرات المسيّرة رباعية المراوح العاملة بالطاقة الكهربائية، وطائرات FPV، وغيرها من المسيّرات صغيرة الحجم.

بيد أن مسار تبنّي هذا المفهوم لا يزال متفاوتاً، وتختلف أولوياته من قوة إلى أخرى. ففي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، يتجه التركيز بصورة أكبر نحو ذخائر الضربات بعيدة المدى، سواء تلك المزودة بمحركات نفاثة أو بمحركات مكبسية. وفي الوقت نفسه، ورغم تنامي الدعوات على مستوى السياسات إلى توسيع نطاق استخدام المسيّرات صغيرة الحجم، بما فيها الطائرات رباعية المراوح، تمضي البرامج القائمة في اتجاه مختلف، مع تركيزها على منصات تعمل بالوقود السائل أو الصلب. ويبرز هنا تباين واضح مع النهج الصيني، الذي جعل من المسيّرات صغيرة الحجم عنصراً رئيسياً في منظومته القتالية الناشئة. أما القوى الغربية، فما تزال في طور بلورة الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المنصات ضمن هيكل القوة، وتحديد موقعها في منظومة قتالية تتجه بصورة متزايدة نحو الجمع بين التكلفة، والقدرة، والقدرة على التوسع في الإنتاج.

ولعل هذا التوجه يعود إلى قيود تتعلق بالقدرات الصناعية وسلاسل الإمداد. فالصين تهيمن على دورة إنتاج المدخلات الأولية اللازمة للمسيّرات صغيرة الحجم، بدءاً من استخراج العناصر الأرضية النادرة والمعادن وتكريرها، وصولاً إلى التصنيع الكفء واسع النطاق. كما يأتي من الصين العديد من المستلزمات الأخرى، مثل البطاريات منخفضة التكلفة، والمحركات الكهربائية، ووحدات التحكم في الطيران، والقوالب البلاستيكية والمطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وغيرها من المدخلات اللازمة لتوسيع نطاق الإنتاج.

ولا تفرض سياسات البنتاغون الحالية بشأن المسيّرات صغيرة الحجم حظراً شاملاً على المدخلات الصينية؛ إذ تقتصر القيود على المكونات الكهروبصرية ومنظومات الاتصالات، ولا تشمل البطاريات أو المحركات. غير أن بكين تنبّهت إلى مواطن الاعتماد هذه، وبدأت تربط إتاحة مدخلاتها الأولية بضوابط أكثر صرامة على الاستخدام النهائي، وبمراجعة الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة كل حالة على حدة؛ الأمر الذي دفع عدداً متزايداً من الموردين الصينيين إلى الامتناع كلياً عن قبول الطلبات المتجهة إلى السوق الأمريكية.

والحصيلة: ليست كل قوة عسكرية كبرى قادرة على توظيف مفهوم "الكتلة المتاحة" عبر مختلف مستويات منظومتها القتالية.

أما الذخائر التي تعتمد على مدخلات أكثر تقليدية، كالمحركات النفاثة التوربينية والمحركات المكبسية والصواريخ، فيمكنها الاستفادة بسهولة من قدرات التصنيع وسلاسل الإمداد القائمة في الولايات المتحدة وأوروبا. ومن ثم، ما أن تتكيف البنية الإنتاجية الأوسع مع متطلبات التكلفة المستهدفة، حتى يصبح بمقدورها تلبية الاحتياجات بوتيرة سريعة نسبياً. بل إن الولايات المتحدة نفسها بدأت نشر ذخائر متسكعة تعمل بمحركات مكبسية على غرار "شاهد"، ضمن برنامج "لوكاس" وبتكلفة مماثلة. غير أن عدم القدرة على توسيع نطاق استخدام المسيّرات صغيرة الحجم قد يترك ثغرات.

وهنا تحديداً لجأت أوروبا إلى نقاط قوتها التقليدية، حتى في المجالات التي تستدعي استخدام المسيّرات صغيرة الحجم، مثل وسائل اعتراض الطائرات المسيّرة. فمعترض CMI الجديد من شركة “إم بي دي أي” ، على سبيل المثال، يعتمد على محركات صاروخية مستخدمة في صواريخ المدفعية من عيار 122 ملم. وتقوم فكرة شركة “إم بي دي أي” على إعادة توظيف هذا الصاروخ، الذي يُنتج منذ زمن طويل ووصل إلى درجة عالية من النضج، لمواجهة المسيّرات، من دون التضحية بخفض التكلفة أو القدرة على الإنتاج واسع النطاق. وعلى ذات المنوال، يعتمد واحد على الأقل من مفاهيم الاعتراض ضمن برنامج "المنظومات المؤثرة منخفضة التكلفة والمنصات الذاتية" (LEAP) التابع التابع للاتحاد الأوروبي على صاروخ موجّه. وبالمثل، بدأت الولايات المتحدة تسليح طائراتها القتالية بصواريخ موجّهة بالليزر عيار 70 ملم لمواجهة المسيّرات.

وهكذا، يمكن تصور مستقبل المقاربة الغربية للاعتراض الحركي للمسيّرات على أنه يعتمد على الصواريخ بدرجة أكبر من اعتماده على المسيّرات الاعتراضية. ومع ذلك، أظهرت أوكرانيا أن من الممكن توطين إنتاج المدخلات الأولية اللازمة للمسيّرات صغيرة الحجم، مثل المحركات الكهربائية والمراوح والمكونات الكهروبصرية. وتأتي هذه البدائل المحلية بتكلفة أعلى من المدخلات المورّدة من الصين – إذ يشير العديد من التقارير إلى أنها "أغلى بعشرات النقاط المئوية" – غير أن ثمة أساساً ومساراً يتيحان لأوروبا والولايات المتحدة الاضطلاع بهذا النوع من الإنتاج مستقبلاً، على الأقل في التطبيقات العسكرية تحديداً.

تقف دولة الإمارات العربية المتحدة في مفترق هذه التوجهات، بل إنها استشرفت كثيراً منها في وقت مبكر. فعلى سبيل المثال، عرضت مجموعة "ايدج" الإماراتية في نوفمبر 2025 عائلة "ناسف" (NASEF) من صواريخ كروز منخفضة التكلفة، إلى جانب سلسلة "هانتر" (HUNTER) من الذخائر الجوالة المشغلة بالطاقة الكهربائية، والتي تتدرج من منظومات صغيرة الحجم يمكن للجندي حملها إلى نماذج أكبر حجماً.

أظهرت أوكرانيا أن من الممكن توطين إنتاج المدخلات الأولية.

من الجليّ أن الإمارات تسعى إلى تبنّي مفهوم الكتلة المتاحة عبر كامل طيفه، من صواريخ كروز إلى المسيّرات صغيرة الحجم. ويتجلى ذلك أيضاً في شراكاتها مع شركات أمريكية ناشئة مثل "أندوريل"، حيث تعمل "ايدج" معها من خلال وحدة Advanced Concepts (أو "المفاهيم المتقدمة") التابعة لها منذ بدايتها وفق منهجية "التصميم من أجل التصنيع". ومن ثم، فإن جانباً كبيراً مما نشهده اليوم في استخدام ذخائر "الكتلة المتاحة" ليس جديداً على الإمارات من الناحية المفاهيمية.

ويمكن القول إن الإمارات باتت تسبق الاتجاهات السائدة ببنائها سلسلة الإمداد اللازمة لمستقبل الحروب، بما في ذلك مفهوم "الكتلة المتاحة". وقد قامت هذه المقاربة على الجمع بين القدرات الصناعية المحلية ونظيراتها لدى الشركاء في الخارج، من خلال 13 عملية اندماج واستحواذ قادتها مجموعة ايدج، وأكثر من 20 مشروعاً مشتركاً حول العالم، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي. وتمتلك ايدج المدخلات اللازمة لتصنيع حلول قائمة على مفهوم "الكتلة المتاحة"، أما التحدي، والفرصة في ذات الوقت، فيكمن في خفض التكاليف.

فعلى سبيل المثال، نقلت "ايدج" إلى الإمارات عمليات تتطلب استهلاكاً عالياً للطاقة، من بينها تصنيع لوحات الدوائر والمكونات الكهروبصرية، مستفيدة من توافر الطاقة ورأس المال محلياً، فيما أبقت أجزاء أخرى من سلسلة الإمداد ضمن شبكتها العالمية. وبالنهاية، فأن استراتيجية الإمارات لا تقوم على التوطين المتواصل لكل مراحل سلسلة الإمداد، بقدر ما تقوم على توظيف نقاط القوة لدى الشركاء، حتى وإن كانت في الخارج، مع ضمان أن تتولى جهة واحدة، هي "ايدج"، تنسيق هذه الموارد وقيادة تكاملها.

وعلى صعيد التنافسية، يتيح هذا النهج لـ "ايدج" تسويق حلولها في مختلف الأسواق التي تعمل فيها، من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية. فمن جهة، يمنح ذلك أعضاء حلف الناتو خيارات أوسع؛ ومن جهة أخرى، يتيح للدول التي يتراجع وصولها إلى الموردين الصينيين، مثل الهند والولايات المتحدة، وصولاً أوسع إلى الشبكات وقدرة أكبر على توظيفها.

شارك