
حين تكتسب القدرة مصداقيتها: الفارق بين التصنيع والتنافس
متى ثبت أداء المنتج، انتقل تقييم العميل إلى المؤسسة التي تقف وراءه.
تعدّ المكانة التي تحتلها شركات الدفاع في أسواقها المحلية من أهم العوامل التي تحدد نجاحها في أسواق التصدير. فما تدعمه القوات المسلحة الوطنية وتثق به، يكون أكثر جذباً لاهتمام شريك استراتيجي أو قوة حليفة في الخارج.
على أي شركة دفاعية أن تكون في طليعة المشهد التقني، تستشرف توجهاته وتستفيد مما تتيحه التقنيات الجديدة من إمكانات. وفي الوقت نفسه، يجب أن تتسم منتجاتها بالمتانة والأمن السيبراني، وأن تكون في الغالب قادرة على التكامل التشغيلي مع منتجات ومستخدمين آخرين داخل قوات الدولة ذاتها كما مع القوات الحليفة في الخارج. وفي ساحة المعركة الحديثة، باتت تحديثات البرمجيات وتراخيصها ضرورة لا خياراً.
هذا أحد أوجه خصوصية قطاع الدفاع. أما الوجه الآخر، فهو البعد السياسي للاستحواذ، إذ لا بد أن تنسجم القدرات المطلوبة مع السياسة الأمنية الشاملة التي تحددها الدولة.
إنّ فهم الكيفية التي سيُستخدم بها المنتج أو النظام من منظور المستخدم النهائي تحديداً أمر بالغ الأهمية. وهذا ما يُعرف بمفهوم العمليات (CONOPS): كيف تُسهم هذه القدرة في تحقيق الغاية العملياتية النهائية؟ أين يكون استخدام هذا المنتج هو الخيار المنطقي؟ من العملاء الآخرين الذين لديهم الحاجة ذاتها؟ ما الذي يميز منتجنا؟ ما المعايير العسكرية التي يتوقع من المنتج أن يفي بها؟ في أي ظروف، وعلى امتداد أي دورة حياة؟ والقائمة تطول.
عندما يتعلق الأمر بالقدرات الدفاعية، غالباً ما تنبع الثقة من القوة ومتانة، ليس فقط المنتج، يل قوة ومتانة الشركة المصنّعة، وأحياناً الدولة التي تدعمها أيضاً. وقد لا يكون التوثيق والتدريب والإسناد والتحديثات أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن منتج دفاعي وقدرته على المنافسة، لكنها عناصر حاسمة في المعادلة. إنها الأساس؛ فما يحتاجه العميل، ويتوقعه، هو شركة قوية ومستعدة للوقوف إلى جانبه في أوقات السلم وفترات الصراع سوياً. فجوهر المسألة بالنهاية هو أن تكون الشركة المصنعة شريكاً موثوقاً لدى العميل عند أمسّ الحاجة.
وقد أتاح لي موقعي في ساب أن أرى ذلك من زاوية عملية. فـساب الإمارات جزء من جهد وطني لبناء قدرات دفاعية سيادية ومحلية، تلبي متطلبات دولة الإمارات وتخاطب في الوقت نفسه السوق الدولية. ونحن نقف عند نقطة التقاء هذين المسارين؛ نستند إلى الانضباط الهندسي والخبرة التصديرية التي تراكمت لدينا نتيجة عمليات "ساب إيه بي" (Saab AB) حول العالم، ونعمل في الوقت ذاته كشركة إماراتية راسخة الحضور، بما نملكه من حجم وخبرات وكفاءات تتيح لنا التكيف سريعاً مع تغير احتياجات العملاء.
لا يصبح المنتج جاهزاً للتصدير لمجرد أنه يعمل؛ بل حين يستطيع العميل اعتماده من دون أن يتحمل مخاطر تشغيلية. وهذا معيار أعلى بكثير، ويفسر لماذا تخسر أحياناً منتجات أثبتت قدراتها أمام منافسين أقل إبهاراً من الناحية التقنية، لكنهم أفضل استعداداً من الناحية المؤسسية. فالأداء يمنح المنتج مكاناً في النقاش، لكنه لا يحسمه.
فبمجرد أن يثبت المنتج أداءه، ينتقل تقييم العميل إلى المؤسسة التي تقف وراءه. فالاستحواذ الدفاعي يُدخل الدولة في علاقة تمتد إلى ما بعد تغير الحكومات، وتحولات مشهد التهديدات، وتعاقب جيل كامل من أفراد القوات المشغّلة. ومن ثم، لا يعود السؤال المهم هو ما إذا كان المنتج يعمل اليوم، بل ما إذا كان المورد أو المنتج سيظل، بعد 15 أو 20 عاماً، حاضراً ومسؤولاً وقادراً. وغالباً ما يكون المصنّعون الأصليون (OEMs) الداخلون إلى أسواق التصدير مستعدين بشكل وافي للإجابة عن السؤال الأول، لكن غير مهيئين للإجابة عن الثاني.
إن صفقات التصدير الدفاعي لا تتم في فضاء تجاري بحت، ومن غير الواقعي الادعاء بخلاف ذلك. يتم تقييم هذه الصفقات وفق أطر قانونية راسخة، وتخضع لقواعد وأنظمة صارمة تفرضها دولة المنشأ، كما أن موافقات التصدير إلزامية منذ بداية دورة البيع. وتُقيّم الجهات المختصة طلبات الشراء في ضوء اعتبارات الأمن القومي والسياسة الخارجية والمعاهدات الدولية وغيرها. أما العملاء، فيوازنون في الغالب بين العلاقات الثنائية والموثوقية السياسية إلى جانب الجدارة التقنية، وينظرون أيضاً في ما إذا كان الإطار الأشمل المحيط بالبرنامج قادراً على الصمود طوال دورة حياته. لكن الكثير من ذلك غالباً ما يقع خارج نطاق سيطرة أي شركة.
أما ما تستطيع الشركة التحكم فيه، فهو جودة العلاقة التي تبنيها مع عميلها واستمرارية تلك العلاقة. وقد علمتنا خبرة تمتد لأكثر من 45 عاماً في دولة الإمارات أن علاقات العمل الوثيقة، القائمة على التعاون والشفافية، ليست عنصراً ثانوياً يدعم التنفيذ التقني للصفقات؛ بل هي ما يجعل هذا التنفيذ ممكناً من الأساس.
فنادراً ما تكون المعايير والاعتماد والامتثال حاضرة في النقاش حول الابتكار الدفاعي، لكن أثرها بالغ في تحديد مسار الصفقات. وظيفتها الأساسية هي التحقق؛ إذ تتيح لمهندسي العميل ومدققيه ومسؤولي المشتريات لديه التأكد بأنفسهم مما يعلنه المورّد، بدلاً من الاكتفاء بما يدعيه حول قدراته. وعلى المستوى التشغيلي، تؤدي معايير التشغيل البيني دوراً مكملاً، لأنها هي التي تحدد ما إذا كانت القدرة الجديدة ستعزز البنية القائمة أم ستضيف إليها مزيداً من التعقيد.
وإذا كان ثمة جانب أرى أن على المصنّعين الجدد أن يمنحوه وزناً أكبر، فهو الإدامة. فالمنصة الدفاعية تُقاس دورتها العمرية بالعقود، ولا تمثل لحظة البيع سوى جزء صغير من عمر العلاقة ومن تكلفتها. ولهذا، نحتفظ في ساب الإمارات بفرق دعم متخصصة، تضم ممثلي خدمات ميدانية قادرين على تقديم الدعم في الموقع، واختصاصيين في خدمات ما بعد البيع، وخبرات فنية في الصيانة والإصلاح. ذلك أن الموثوقية على امتداد الدورة العمرية ليست وظيفة إدارية، بل قدرة قائمة بذاتها.
أما التدريب، فله أهمية خاصة؛ لأن السيادة هنا إما أن تُبنى وإما أن تظل بعيدة المنال. فثمة فارق جوهري بين تدريب العميل على كيفية تشغيل منظومة جديدة وبين تمكينه من ادامتها وتكييفها، ثم المضي في تطويرها بنفسه في نهاية المطاف. الأول يصنع مستخدمين؛ أما الثاني فيبني قدرة وطنية. لذا، فإن التزامنا بالتوطين يتجسد هنا، لا في مرحلة منفصلة تالية ضمن شؤون المسؤولية المؤسسية. ففي منشأتنا بأبوظبي، يعمل المهندسون والمتخصصون الإماراتيون على تطوير المنتجات، لا مجرد دعمها؛ وهذا هو الشكل الأفضل والأكثر استدامة لنقل المعرفة والقدرات الذي يمكن لأي مورد أن يقدمه.
عادةً ما تتسم أسواق الدفاع بالتحفظ، ولها ما يبرر ذلك؛ فعواقب الخطأ في الاستحواذ على نظام جديد ليست تجارية في المقام الأول. والمصداقية في هذه الأسواق لا تُكتسب بمجرد الادعاء، بل تتراكم عبر أداء مثبت على مدى فترات طويلة. كما أن العملاء يبنون أحكامهم على سلوك المورد عندما يواجه البرنامج صعوبات، بقدر ما يبنونها على أدائه حين تسير الأمور وفق الخطة.
تمتد شراكة ساب الاستراتيجية مع دولة الإمارات إلى ثمانينيات القرن الماضي، وهي الشراكة التي قام عليها حضورنا في المنطقة منذ ذلك الحين. وفي عام 2018، بلغت هذه العلاقة محطة مهمة بتأسيس شركة ساب المحدودة - أبوظبي (Saab Ltd - Abu Dhabi)، وهي شركة إماراتية تتخذ من مجمع توازن الصناعي مقراً لها، وتعمل كمركز للتطوير المتقدم والإنتاج. لكن ما يهم هنا ليس إنجازاً محدداً، بقدر ما هو المسار الذي تطورت عبره هذه الشراكة.
ولعل أوضح مثال على شراكتنا الاستراتيجية مع دولة الإمارات هو نظام "غلوبال آي" (Global Eye)، والذي يمثل حلّنا للإنذار المبكر والتحكم المحمول جواً (AEW&C). فقد كانت الإمارات أول عميل لـغلوبال آي في عام 2015، في وقت كانت فيه المتطلبات التي صُمم لتلبيتها تسبق ما كان سائداً من تصورات في السوق. واليوم، تُعدْ المنصة، على نطاق واسع، المعيار العالمي في مجال الإنذار المبكر والتحكم المحمول جواً. لقد جاءت هذه النتيجة بفضل عميل كان مستعداً لأن يحدد بوضوح ما يحتاجه فعلاً، ومورد كان مستعداً لأن يبنيه، عملا معاً عن كثب على مدى عدة سنوات.
وفي مرحلة أحدث من هذه الشراكة، يأتي رادار المراقبة الساحلية (Coast Control Radar) الذي طُوّر في أبوظبي بالتعاون مع مجلس التوازن للتمكين الدفاعي. وقد أُطلق في عام 2025، ليعكس مرحلة أخرى من العلاقة نفسها. وهو رادار من الجيل القادم يعتمد تقنية المصفوفة المرحلية، ثابت غير دوّار ومُعرّف برمجياً، طُوّر في دولة الإمارات وصُمم للمراقبة الساحلية، مع قابلية للتطبيق دولياً. تبرز أهميته في بيئة تتسم بالمياه المتنازع عليها وازدحام الممرات البحرية. فهذا النوع من الحلول، الذي يلبي متطلبات دولة ما ويحافظ في الوقت نفسه على مصداقيته في أسواق التصدير، هو تحديداً ما تنتجه قاعدة صناعية آخذة في النضج.
تصل كل دولة تعمل على بناء قاعدة صناعية دفاعية، في مرحلة ما، إلى نقطة يكون فيها الحل الهندسي قد أثبت نجاحه، والمنتج قد أثبت أداءه، ومع ذلك يبقى دخول الأسواق الدولية أصعب مما كان متوقعاً. فصنع منتج يعمل بصورة جيدة هو إنجاز هندسي؛ أما صنع منتج قادر على المنافسة دولياً فهو نجاح مؤسسي. وهذا النجاح لا يمكن بناؤه بسرعة، لكنه بالتأكيد يمكن بناؤه بصورة مدروسة.



