لماذا يُعدّ المجال الفضائي جزءاً لا يتجزأ من الاستقلالية؟

الفكرة الكبرى

لماذا يُعدّ المجال الفضائي جزءاً لا يتجزأ من الاستقلالية؟

يقول غرايم ريتشي أن التفوق العسكري في المستقبل سيكون من نصيب الدولة القادرة على الحفاظ على تماسك عملية اتخاذ القرار في ظل الاضطراب وعدم اليقين

يصعب تصور القوة العسكرية الحديثة من دون الفضاء. غير أن قلة من الدول توقفت لتسأل: ماذا لو تعطل هذا الفضاء فجأة؟

فعلى مدى ثلاثة عقود، تمتعت الدول الغربية ببيئة مدارية خلت تقريباً من أي منافسة تُذكر. وكانت الأقمار الصناعية تؤدي عملها في صمت؛ توجه الضربات الدقيقة، وتحمل الاتصالات الاستراتيجية، وتجمع المعلومات الاستخبارية، وتنسق العمليات حول العالم. وكان الفضاء يُنظر إليه بوصفه أداةً ممكنة لا ساحةً للقتال، فيما بدت البنية المدارية راسخة وموثوقة، بمنأى عن أي تشويش أو تعطيل. لكن ذلك اليقين الذي ساد طويلاً بات اليوم أقل رسوخاً. فالافتراضات التي قامت عليها تلك المرحلة تزداد هشاشة يوماً بعد يوم.

بات الفضاء اليوم حاضراً في صميم عمل القوات المسلحة الحديثة. فمن تحديد موقع القوات وحركتها، إلى توجيه الأسلحة الدقيقة، إلى تنسيق الإمداد، تكاد المنظومات الفضائية تلامس كل جانب من جوانب العمل العسكري. كما تمثل الاتصالات الفضائية العمود الفقري للقيادة والسيطرة عبر مسارح العمليات المتباعدة، فيما اختصرت منظومات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الزمن الفاصل بين رصد الهدف والاشتباك به حتى بات يقترب من الزمن الفعلي. فإذا تعطلت إحدى هذه المنظومات أو خرجت من الخدمة، بدأت حتى أكثر الجيوش تطوراً تفقد إيقاعها، ويتراجع تماسكها، وتتآكل ثقتها بوتيرة مدهشة. وما على من يشك في ذلك إلا أن يسأل أوكرانيا.

ولا يقتصر هذا الاعتماد على الجيوش وحدها، بل يمتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية. فالمعاملات المالية تستند إلى إشارات التوقيت القادمة من الفضاء، وشبكات الاتصالات تقوم على البنية المدارية، وحتى توزيع الطاقة والنقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية باتت تعتمد على منظومات تدور على ارتفاع مئات الكيلومترات فوقنا. وتقدّر الحكومة البريطانية أن الخدمات المرتبطة بالفضاء تضيف مئات المليارات من الجنيهات إلى الاقتصاد كل عام. وبمعنىً آخر، يقوم جانب كبير من حياتنا الحديثة على بنية لا يراها معظم الناس، ولا يلتفت إليها صناع القرار إلا حين تتعطل. أما خصوم المملكة المتحدة، فقد أولوا هذا الأمر اهتماماً منذ زمن بعيد.

فقد أدركت روسيا والصين، منذ وقت مبكر، حجم الاعتماد الغربي على وصول متواصل وغير محمي إلى الفضاء. ومن هذا الإدراك انطلقت استثمارات واسعة في القدرات المضادة للفضاء، شملت الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية ذات الصعود المباشر، والعمليات السيبرانية، والحرب الإلكترونية، وصولاً إلى المنظومات المدارية المشتركة التي تتطور بوتيرة متسارعة.

ولعل أهم ما كشفته النزاعات الأخيرة أن تعطيل القمر الصناعي لا يستلزم تدميره. فمجرد وضعه أمام معضلة استراتيجية، أو تضييق هامش حركته، قد يكون كافياً في بعض الأحيان. وقد برهنت أوكرانيا على ذلك مراراً. فتعطيل نظام تحديد المواقع، أو الحرب الإلكترونية، أو إضعاف عمليات الطائرات المسيّرة، أو إرباك تنسيق القوات في الميدان، كلها أمور يمكن أن تحدث أثراً يتجاوز الجانب التقني. فحين يفقد المقاتل ثقته في البيئة المعلوماتية المحيطة به، يتباطأ القرار، ويتراجع الإيقاع، وتتردد القوات في الحسم. فالجيوش لا تقاتل بالسلاح وحده، بل بالثقة أيضاً. وحين تتهاوى هذه الثقة، يصبح ما كان يُعد يقيناً مجرد معلومات إلى مصدر جديد للشك.

وهنا بيت القصيد: فالحرب الحديثة لم تعد تُحسم بالعدد والحشد وحدهما، بل بالسرعة والتماسك. ففي العمليات الأخيرة في الشرق الأوسط، تمكنت القوات من إصابة أعداد كبيرة من الأهداف المتباعدة في وقت متقارب، لأن منظومات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المدعومة بالفضاء، إلى جانب شبكات الاتصال والاستهداف، قلّصت الزمن الفاصل بين الرصد والاشتباك إلى حدٍ يقترب من الزمن الفعلي. ولم تكن هذه القدرة نتاج منصة بعينها، ولا ثمرة مركز قيادة منفرد، بل جاءت من قدرة الشبكة بأكملها على الاستشعار، والمعالجة، وتنسيق العمل المشترك بوتيرة تجاوزت قدرة الخصم على التفاعل معها. ولهذا أصبحت البنية المدارية هدفاً مغرياً.

ولسنوات طويلة، قامت الفلسفة التقليدية على تركيز القدرات في عدد محدود من الأقمار الصناعية الباهظة الثمن، التي يمثل كل واحد منها حصيلة سنوات من التطوير واستثمارات بمليارات الدولارات. غير أن هذه المنظومات، على الرغم من تفوقها التقني، تبقى أكثر عرضة للهشاشة في بيئة تتصاعد فيها المنافسة. فالقدرة المركزة لا تنتج صموداً أكبر، بل هشاشة أكبر. ومن هنا بدت الاستجابة البديهية واضحة: إطلاق مزيد من الأقمار الصناعية وتوزيع المخاطر. لكن شيئاً من التأمل يكشف أن المسألة ليست بهذه البساطة. فمجرد زيادة الأعداد لا تعني بالضرورة زيادة القدرات ، كما أن توسيع مساحة الانتشار لا يكفي وحده لبناء منظومة أكثر صموداً.

بيئة الفضاء تتحول من بيئة تمكينية إلى مسرح تنافس عملياتي

غير أن نشر مئات أو حتى آلاف الأقمار، لا يضمن بالضرورة بناء منظومة أكثر صموداً. فإذا ظلت هذه الأقمار تعتمد على مراكز قيادة وسيطرة مركزية، أو على وصلات اتصال هشة، أو على بنية أرضية ضعيفة، فإنها لا تصبح أقل عرضة للاستهداف، بل أكثر تعقيداً. والأهم من ذلك أن زيادة الأعداد تعني ازدحاماً أكبر في المدار، وتدفقاً أكبر للبيانات، ومتطلبات أعلى للتنسيق، واعتماداً متزايداً على شبكات قد تصبح هي نفسها هدفاً للتعطيل والاستهداف.

وهنا تكمن الفكرة الأعمق. فمستقبل الحرب المدارية لن يتحدد بعدد الأقمار بقدر ما سيتحدد بقدرتها على العمل كوحدة واحدة تحت الضغط. ولا تتعلق المسألة بهيكل القمر الصناعي نفسه، بل بقدرة المنظومة بأكملها على الاستشعار، ودمج المعلومات، والتكيف مع الأعطال، ومواصلة العمل في البيئات المتنازع عليها. فالكثرة من دون قدرة على التكيف لا تنتج صموداً موزعاً، بل هشاشة موزعة.

لهذا، ينبغي تصميم المنظومات الفضائية المقبلة على أساس أن الاتصالات قد تضعف، وأن بعض الوصلات قد تنقطع، وأن بعض البيانات قد تغيب. فلا ينبغي أن تنتظر الأقمار الصناعية التعليمات في كل خطوة، بل يجب أن تمتلك قدراً أكبر من الاستقلالية، وأن تكون قادرة على إعادة ترتيب أولوياتها، وإعادة بناء اتصالاتها، وتنسيق عملها مع بقية عناصر الشبكة بصورة ديناميكية، حتى في غياب التوجيه المستمر من الأرض. ومن ثم، ستتطلب العمليات المدارية المقبلة نموذجاً أقرب إلى القيادة بالمهمة، في حرب تتسارع بوتيرة تتجاوز قدرة الإنسان على مواكبتها لحظة بلحظة. فالبشر سيضعون المقاصد، والقيود، والأولويات الاستراتيجية، فيما تتولى المنظومات المتوزعة تنفيذها والتكيف معها ضمن تلك الحدود. وهذا يعني عملياً أن الصمود لن يقاس بعدد الأقمار الصناعية التي تمتلكها الدولة، بل بقدرتها على مواصلة العمل كوحدة متماسكة حين تُعزل بعض عناصرها، أو تتعطل، أو تفقد جزءاً من قدراتها.

ومن هنا تزداد أهمية المقارنة مع العمليات البحرية المتوزعة ومفهوم الحرب الفسيفسائية. فقد أدركت الأساطيل الحديثة منذ زمن أن الصمود لا ينبع من المنصات المنفردة، بل من الشبكات القادرة على التكيف. فالسفن، ومنصات الإطلاق، وأجهزة الاستشعار، وعقد القيادة، جميعها تعمل ضمن منظومة واحدة يتوزع فيها الوعي والقرار عبر الشبكة بأكملها. والفضاء يسير اليوم في الاتجاه ذاته، وربما بوتيرة أسرع.

أما العائق الحقيقي، فهو أن كثيراً من المؤسسات لا تزال تنظر إلى الفضاء بعقلية موروثة من العصر الصناعي. فالنماذج التقليدية لا تزال تعطي الأولوية للمنظومات الضخمة، والجداول الزمنية الممتدة، ومفاهيم التشغيل المحكمة. غير أن البيئة المدارية المقبلة قد تجعل القدرة على التكيف، والتعويض، والاستقلالية المدفوعة بالبرمجيات، أكثر أهمية من السعي إلى الكمال التقني في كل منصة على حدة.

وفي عالم كهذا، قد تصبح القوة الفضائية في المستقبل أقرب إلى بنية برمجية صامدة منها إلى منظومة تقليدية، وهو تحول يعيد رسم كثير من المفاهيم السائدة. فالاستقلالية الاستراتيجية في الفضاء لن تتحدد بقدرة الدولة على تصميم أقمارها وإطلاقها وحمايتها فحسب، بل بقدرتها على تعويض خسائرها المدارية، والحفاظ على استمرارية الأداء في فترات الاضطراب الممتد. أما الدولة التي تعجز عن ذلك، فقد تجد نفسها أمام قيود استراتيجية قاسية، مهما بدت منظوماتها متقدمة على الورق.

أمضى رائد الفضاء الإماراتي سلطان النيادي ستة أشهر على متن محطة الفضاء الدولية.
أمضى رائد الفضاء الإماراتي سلطان النيادي ستة أشهر على متن محطة الفضاء الدولية.

وقد أمضى الأمن الأوروبي عقوداً طويلة مستنداً إلى بنية فضائية أوسع تقودها الولايات المتحدة، وكان ذلك الترتيب الاستراتيجي كافياً ما دامت البيئة المدارية مستقرة نسبياً. غير أن العالم يتغير، وتتغير معه طبيعة الاعتماد على الفضاء. ومن هنا، لا تبدو الحاجة الأوروبية إلى قدرات مدارية أكثر صموداً قضية تتعلق بالاستقلالية وحدها، بل بامتلاك خيارات أوسع في عالم تتزايد فيه المنافسة وتتقلص فيه هوامش اليقين. فالصمود لا يقوم على خيار واحد، بل على تعدد الخيارات.

وهذا يتجاوز القدرة الصناعية ذاتها. فالصمود المداري لا يقوم على منصات الإطلاق وحدها، بل على عمق التصنيع، وأمن سلاسل الإمداد، والقدرة البرمجية، والقدرة على الحفاظ على استمرارية العمليات في صراع طويل الأمد. أما الدول التي تفتقر إلى هذه المقومات، فقد تجد نفسها، في اللحظة التي تُختبر فيها استقلاليتها الاستراتيجية، رهينة للاعتماد على غيرها.

وفي الوقت نفسه، تتلاشى الحدود الفاصلة بين البنية المدنية والبنية العسكرية في الفضاء. فأقمار الاتصالات التجارية أصبحت تؤدي دوراً مباشراً في دعم العمليات العسكرية، كما تسهم منظومات الرصد الأرضي التجارية في الاستهداف وبناء الصورة العملياتية. وهكذا تغدو البنية المدارية، في آن واحد، بنية اقتصادية وعسكرية واستراتيجية.

ويغير هذا التداخل طبيعة الردع نفسها. فالردع في الفضاء لن يقوم مستقبلاً على التهديد بالانتقام بقدر ما سيقوم على القدرة على الصمود. فحين يدرك الخصم أن محاولات التعطيل لن تؤدي إلى شل المنظومة، وأن البنية بأكملها قادرة على امتصاص الضرر، والتكيف معه، ومواصلة العمل تحت الضغط، تتغير حساباته. وبهذا المعنى، قد لا يقاس نفوذ الدولة الفضائية بحجم ما تضعه في المدار، بقدر ما يقاس بقدرتها على الحفاظ على فاعلية منظوماتها في البيئات المتنازع عليها.

وهنا تتجلى القضية الاستراتيجية الكبرى. فالفضاء لم يعد بيئة يمكن التعامل معها باعتبارها مجالاً مستقراً، بل أصبح بطبيعته ساحة عمليات للمنازعات، تتسم بالتنافس الدائم، وضيق الهوامش الزمنية، وتزايد مواطن الهشاشة. ومع ذلك، لا تزال كثير من البنى القائمة، والعقائد السائدة، ومنطق الاقتناء، تعكس افتراضات وُلدت في زمن مختلف تماماً.

وسيكون التفوق العسكري في المستقبل من نصيب من يستطيع الحفاظ على تماسك قراره في عالم يتسم بالاضطراب والغموض وتزايد التحديات في الفضاء. وهنا تكمن القضية الحقيقية. فالسؤال لم يعد من يملك أكبر عدد من الأقمار الصناعية، بل من يملك القدرة على بناء منظومة قادرة على التكيف، ومؤسسات قادرة على التعلم، وقاعدة صناعية قادرة على الصمود. فكلما اشتد التنافس، ازدادت قيمة القدرة على الحفاظ على التماسك تحت الضغط. 

شارك