
معركة في الأعماق:
حين يصبح قاع البحر خط المواجهة
لا تكفي الاستجابة وحدها... فالصمود أساس الحماية الموثوقة
في مَنْأى عن الأنظار، في أعماق البحار، تمتد بنية تحتية قد أصبحت من ركائز الاقتصاد العالمي والأمن الوطني. فالكابلات البحرية، والموانئ، ومنشآت الطاقة البحرية، وشبكات الاستشعار تحت سطح البحر، تؤدي أدواراً حيوية يقوم عليها عالم يزداد ترابطاً واعتماداً على تدفق البيانات والطاقة. وتنقل هذه المنظومات يومياً تريليونات المعاملات المالية، وتحمل ما يقارب 99٪ من حركة البيانات العالمية، إلى جانب تدفقات متزايدة من الطاقة المتجددة القادمة من مزارع الرياح البحرية. وما كان يُنظر إليه يوماً كبنيةً صامتة خارج دائرة الاهتمام، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى هدف مباشر للتخريب المادي والهجمات السيبرانية.
فبين عامي 2023 و2025، شهد بحر البلطيق موجة من قطع الكابلات وإلحاق الأضرار بخطوط الأنابيب. ولم تقتصر هذه الحوادث على تلك المنطقة، إذ أدت عمليات قطع الكابلات في البحر الأحمر خلال مارس 2024 وسبتمبر 2025 إلى تعطيل الاتصالات بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. أما تخريب خط «نورد ستريم» (Nord Stream) عام 2022، فقد مثّل أحد أوضح الأمثلة على الحروب الهجينة ذات البعد المادي المباشر.
ولم يعد يُنظر إلى هذه الحوادث بوصفها وقائع معزولة. فقد ارتبطت عمليات «المنطقة الرمادية»، التي تلجأ فيها بعض الدول إلى استخدام سفن تجارية مموَّهة، وأساطيل ظل، ومركبات غير مأهولة تحت الماء (UUVs) لأغراض الاستطلاع البحري وربما التخريب، بجهات فاعلة على مستوى الدول، وفي مقدمتها الصين وروسيا .كما أظهرت جماعة الحوثي وغيرها من الجهات غير الحكومية كيف يمكن حتى للعمليات غير المباشرة، مثل الضربات الصاروخية التي تدفع السفن إلى إسقاط مراسيها، أن تُحدث اضطرابات واسعة النطاق .وكانت النتيجة اضطرابات اقتصادية، وتراجعاً في الثقة العامة، وتأخراً في عمليات الإصلاح قد يمتد لأشهر، بسبب نقص سفن الصيانة والمخاطر الأمنية. فما الذي يجعل البنية التحتية تحت سطح البحر هدفاً مغرياً وفي الوقت نفسه شديد الهشاشة؟
أول هذه العوامل أن مراقبة هذه البنية شديدة التعقيد. فالمحيطات تغطي نحو 70٪ من سطح الأرض، بينما تمتد الكابلات وخطوط الأنابيب آلاف الأميال عبر المياه الدولية أو حتى عبر مياه متنازَع عليها، وغالباً على أعماق تتجاوز ألف متر. وتبقى وسائل المراقبة التقليدية قاصرة؛ وزوارق الدورية لا يمكن أن تكون في كل مكان، كما أن إشارات نظام التعريف الآلي (AIS) يمكن تعطيلها أو تزويرها، في حين لا تزال التغطية الفضائية تعاني فجوات عديدة. وتتيح تقنيات الاستشعار الصوتي الموزّع (DAS) تحويل كابلات الألياف الضوئية إلى وسائط قادرة على الكشف الفوري عن الاهتزازات والإشارات الصوتية الصادرة عن الغواصين أو المراسي أو المركبات غير المأهولة تحت الماء. غير أن كثيراً من الأنظمة القائمة لا يملك هذه الإمكانات، ويزداد الأمر تعقيداً بسبب تداخل الاختصاصات القانونية، ولا سيما فيما يتصل بحدود صلاحيات الدول الساحلية والمياه الدولية، وهو ما يبطئ الاستجابة للتهديدات.
ولا يقل العامل الثاني أهمية، إذ يتمثل في سهولة استهداف هذه البنية وانخفاض كلفة تعطيلها. فمرساة واحدة، أو شبكة صيد، أو مركبة غير مأهولة تحت الماء، قد تكفي لقطع عدة كابلات دفعة واحدة. كما تستهدف الهجمات السيبرانية أنظمة التحكم والإشراف في المنصات البحرية، بما في ذلك محطات الإنزال الساحلية وأنظمة إدارة الشبكات عن بُعد .والأهم من ذلك أن التطورات التقنية الحديثة خفّضت كلفة الوصول إلى هذه القدرات. فالمركبات البحرية الذاتية منخفضة الكلفة، على سبيل المثال، جعلت الأدوات التي كانت حكراً على عدد محدود من الجهات أكثر يسراً بالنسبة للجهات الفاعلة الهجينة. ولا يقتصر الأمر على الكابلات والمنصات البحرية، إذ تبقى أجهزة الاستشعار البحرية والموانئ، التي تمثل ركناً أساسياً للوعي بالمجال البحري، عرضةً للتلاعب السيبراني-المادي، والألغام، وهجمات الغواصين، فضلاً عن المخاطر التي تواجه محطات الربط البحرية الخاصة بمزارع الرياح.
أما العامل الثالث، فيكمن في حجم العائد الاستراتيجي مقابل كلفة محدودة نسبياً. فقطع عدد قليل من الكابلات قد يعزل جزراً كاملة، أو يعطّل الاتصالات العسكرية، أو يوقف تدفقات الطاقة، أو يُحدث اضطرابات اقتصادية واسعة، دون أن يبلغ عتبة الحرب الشاملة. وهو ما يمنح الجهات المعادية أدوات ضغط غير متكافئة. ولهذا توفر هذه الأصول للخصوم فرصة نادرة لتحقيق أثر استراتيجي كبير بكلفة محدودة ومخاطر منخفضة نسبياً، سواء لأغراض التجسس، أو ممارسة الضغط، أو زعزعة الاستقرار. ومن هنا، لم يعد الاكتفاء برد الفعل كافياً. فالحماية الموثوقة تتطلب مقاربةً متعددة الطبقات، ترتكز على تعزيز القدرة على الصمود، وتنظر إلى البنية التحتية البحرية بوصفها فضاءً تتقاطع فيه الأبعاد السيبرانية والمادية، بحيث تُدمج متطلبات الأمن في صميم التصميم منذ البداية.
ويبدأ بناء الصمود من التصميم نفسه، فالكابلات لا يكفي مدّها في قاع البحر، بل ينبغي حمايتها عبر دفنها على أعماق أكبر حيثما أمكن، وإبعادها عن أخطار المراسي وشباك الجر، وتوزيع مساراتها على نحو يضمن التكرار والتنوع ويحد من نقاط الاختناق. والأمر نفسه ينطبق على منصات الطاقة البحرية ومحطات الربط، التي تتطلب تصاميم أكثر صلابةً وتقسيماً. كما أن امتلاك قدرات إصلاح سريعة، أو حتى استخدام الأصول الوهمية، من شأنه أن يقلل من جاذبية الاستهداف. وقد أظهرت تجربة دول البلطيق الأوروبية أن مرونة الشبكات وإمكانية إعادة توجيه حركة البيانات قادرتان على الحد من آثار الانقطاعات وتخفيف تداعياتها.
ولا يقل توظيف التقنيات الحديثة أهمية، فتقنيات الاستشعار الصوتي الموزّع (DAS) تتيح تحويل شبكات الألياف الضوئية القائمة إلى منظومات استشعار قادرة على الكشف الفوري عن الاهتزازات والإشارات الصوتية الصادرة عن الغواصين أو المراسي أو المركبات غير المأهولة تحت الماء. كما يمكن تتبع السفن المشبوهة حتى عند تعطيل إشارات نظام التعريف الآلي (AIS)، وذلك من خلال دمج مصادر متعددة للبيانات، تشمل الرصد بالترددات الراديوية، والصور الكهروبصرية، والرادار ذي الفتحة الاصطناعية، وتحليلات السلوك المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتسهم أنظمة السونار المخصصة لكشف الغواصين، إلى جانب المركبات البحرية غير المأهولة والمركبات السطحية الذاتية، في تأمين الموانئ والمناطق عالية الحساسية. وفي الوقت نفسه، تتجلى القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في قدرته على التحليل التنبؤي، واكتشاف الأنماط الشاذة، وإطلاق التنبيهات الآلية قبل تفاقم الأخطار. لكن التكنولوجيا، مهما بلغت من تقدم، لا تستطيع أن تقوم مقام التنسيق بين الجهات المعنية. فالمعلومات المتعلقة بالتهديدات لا قيمة لها إذا لم تصل إلى الجهات القادرة على التحرك في الوقت المناسب. ولهذا يصبح تبادل المعلومات الاستخباراتية بين شركات الاتصالات، ومؤسسات الطاقة، والسلطات البحرية، والأجهزة الأمنية جزءاً لا يقل أهمية عن وسائل الحماية نفسها، بما في ذلك الأدوار التي تضطلع بها «خلية تنسيق البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر» التابعة لحلف شمال الأطلسي (NATO Critical Undersea Infrastructure Coordination Cell).
ولا تقع مسؤولية الحماية على عاتق الحكومات وحدها. فمع امتلاك القطاع الخاص نحو 85٪ من البنية التحتية الحيوية، وهو ما يجعل القدرة على الصمود رهناً بدرجة الثقة وتقاسم المسؤولية بين المشغلين والجهات التنظيمية. فالقطاع الخاص يمتلك الخبرة التقنية والقدرة على الابتكار، بينما توفر الحكومات الأطر التنظيمية والتشريعية اللازمة. ومن دون هذا التكامل، تظل القدرات المتوافرة عاجزة عن أن ترتقي إلى منظومة متماسكة قادرة على الصمود.وفي عالم شديد الترابط، لم تعد الأعطال أو الاختراقات حبيسة نطاقها المباشر. فاستهداف محطة إنزال أو نظام تحكم بحري قد يطلق سلسلة من الاضطرابات تمتد إلى قطاعات أخرى مترابطة، فيما يشبه "العدوى الرقمية". ولهذا تزداد أهمية التشفير المقاوم للحوسبة الكمومية، والمراقبة المستمرة، ونماذج «انعدام الثقة» (Zero Trust).
وحتى وقت قريب، لم يكن ما يجري تحت سطح البحر يشغل إلا المتخصصين. أما اليوم، فقد أصبح جزءاً من حسابات الأمن والاقتصاد على حد سواء. ولعل أكثر ما تكشفه هذه التحولات أن بعض ما يقوم عليه العالم الحديث لا يوجد فوق اليابسة، بل في أعماق البحار.



